قراءة أولية في المشهد الانتخابي بالأقاليم الجنوبية.. الداخلة والعيون في صدارة المشهد وكلميم تدخل المنافسة بإيقاع مختلف
عـــلـــــي الكـــــــوري

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، بدأت ملامح المشهد الانتخابي بالأقاليم الجنوبية تتضح بشكل أكبر، سواء من خلال كثافة اللقاءات التواصلية، أو حجم الحضور الجماهيري، أو طبيعة التنافس بين الأحزاب والمرشحين. وهذه قراءة أولية تركز، في هذه المرحلة، على ثلاث محطات أساسية هي الداخلة والعيون وكلميم، مع استثناء باقي الأقاليم إلى حين توفر معطيات ميدانية أكثر اتساعا.
الداخلة.. كثافة ميدانية واستقطاب شبابي
بحسب الملاحظات الميدانية المتداولة خلال الحملة، تبدو جهة الداخلة وادي الذهب من أكثر الجهات حضورا من حيث الحركة الانتخابية والتواصل المباشر مع المواطنين. فقد شهدت مدينة الداخلة لقاءات وتجمعات وتحركات ميدانية متواصلة، إلى جانب حضور واضح في الشوارع، وهو ما جعل المنافسة تبدو مفتوحة بين عدد من الأسماء واللوائح.
وتبرز في هذه الدينامية ثلاثة أحزاب بشكل خاص، هي حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار، مع حضور لافت للشباب والنساء في عدد من المحطات التواصلية. كما أن حضور الشباب لا يظهر فقط كعنصر في الحشود، بل كجزء من المشهد السياسي والتنظيمي للحملة، وهو ما تؤكده أيضا تغطيات صحفية تحدثت عن تعبئة الشباب بالجهة مع اقتراب موعد الاقتراع.
ومن بين المؤشرات التي تستحق التوقف عندها كذلك، طبيعة الاستقطاب السياسي الذي سبق الحملة ودخل معها إلى مرحلة أكثر وضوحا. فقد شهدت الداخلة خلال الأشهر الماضية انتقالات واستقطابات لمنتخبين وفاعلين سياسيين بين الأحزاب، وهو ما جعل الخريطة المحلية أكثر حركة وأقل ثباتا مقارنة بما كان عليه الوضع في مراحل سابقة.
الاستقلال بالداخلة.. الاستقطاب كعنوان للمنافسة
النقطة اللافتة في هذه المرحلة، وفق هذه القراءة، هي الانفتاح السياسي والاستقطاب الذي عرفه حزب الاستقلال بالجهة، وما رافقه من التحاق عدد من المنتخبين والمناضلين ورؤساء الجماعات والمستشارين وفاعلين سياسيين من مشارب حزبية مختلفة.
ولا يتعلق الأمر فقط بحجم الأسماء الملتحقة، وإنما أيضا بالصورة التنظيمية التي يحاول الحزب تقديمها خلال الحملة، من خلال جمع عدد من مكوناته وفتح المجال أمام وجوه وشباب قادمين من تجارب حزبية مختلفة.
وفي المقابل، فإن هذا الحضور لا يلغي وجود منافسة قوية من باقي الأحزاب، فقد سجل حزب الأصالة والمعاصرة بدوره تحركا ميدانيا لافتا بالداخلة، من خلال مسيرة انتخابية شارك فيها أنصار الحزب وجابت عددا من شوارع المدينة مباشرة بعد انطلاق الحملة.
وهنا يمكن القول إن الداخلة تقدم نموذجا انتخابيا يقوم على التعبئة الميدانية والاستقطاب السياسي والحضور الشبابي، وهي عناصر تجعلها من أبرز المحطات التي تستحق المتابعة خلال الأيام الأخيرة من الحملة.
العيون.. ثقل تنظيمي ومنافسة على مواقع متعددة
بالانتقال إلى مدينة العيون، تبدو الصورة مختلفة نسبيا، إذ إن المشهد الانتخابي يتحرك داخل مدينة لها تقاليد سياسية وتنظيمية قوية، مع استمرار حضور عدد من الأحزاب الكبرى في الواجهة، وفي مقدمتها حزب الاستقلال والأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، إلى جانب محاولات أحزاب أخرى الدخول بقوة على خط المنافسة مثل الاتحاد الاشتراكي و التقدم والاشتراكية … .
وقد شكل التجمع الجماهيري الذي نظمه حزب الاستقلال بمدينة العيون إحدى أبرز محطات الحملة إلى حدود الآن، حيث تحدثت مصادر إعلامية عن مشاركة أكثر من 60 ألف منخرط ومناضلة ومناضل في المهرجان الذي حضرته قيادة الحزب الوطنية.
وبعيدا عن الأرقام التي تبقى مرتبطة بالجهة المنظمة ومصادر التغطية، فإن حجم التجمع في حد ذاته يعكس مستوى التعبئة التي اختار حزب الاستقلال الدخول بها إلى الحملة بمدينة العيون، كما يؤكد استمرار ثقل التنظيمات الحزبية المحلية في رسم جزء مهم من المشهد الانتخابي.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو المنافسة محصورة في حزب واحد، إذ تشير التغطيات الانتخابية إلى دخول عدة لوائح على خط التنافس على المقاعد البرلمانية الثلاثة المخصصة للدائرة المحلية للعيون، بما فيها لوائح التجمع الوطني للأحرار والاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية وغيرها.
وبالتالي فإن العيون تقدم مشهدا يقوم على ثقل التنظيمات التقليدية، قوة التعبئة الجماهيرية، ومحاولة منافسين آخرين اختراق مواقع سياسية قائمة.
كلميم.. حملة أقل صخبا ومنافسة على اللائحة النسوية
أما جهة كلميم واد نون، فتبدو الحملة فيها بإيقاع مختلف. فالحضور الحزبي موجود، واللقاءات التواصلية مستمرة، لكن مستوى التعبئة لا يبدو، وفق هذه القراءة الأولية، مماثلا لما يظهر في الداخلة أو العيون.
وتتحرك عدة أحزاب داخل مدينة كلميم، من بينها التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي، إلى جانب أحزاب أخرى تحاول تثبيت حضورها والدخول إلى دائرة المنافسة.
غير أن أحد أبرز عناصر المنافسة في كلميم واد نون لا يرتبط فقط باللوائح المحلية، بل أيضا باللائحة الجهوية النسوية، التي أصبحت بدورها مجالا للاستقطاب والتنافس السياسي، بالنظر إلى أهمية الموقع الذي تمنحه داخل الخريطة الانتخابية الجهوية.
وهنا تظهر خصوصية الحملة في كلميم: الحضور الميداني موجود، لكن المنافسة تبدو أكثر ارتباطا ببناء التحالفات واللوائح والاستقطاب الانتخابي، إلى جانب اللقاءات التواصلية المباشرة.
ثلاث جهات.. ثلاث طرق في إدارة الحملة
من خلال هذه القراءة الأولية، يمكن ملاحظة اختلاف واضح في طريقة إدارة الحملة بين المدن الثلاث.
فالداخلة تبدو أقرب إلى نموذج الحملة التي تجمع بين الحضور في الشارع والاستقطاب السياسي والحضور الشبابي. والعيون تبرز فيها قوة التنظيم والتعبئة الجماهيرية وثقل الأسماء والتجارب السياسية المحلية. أما كلميم، فتبدو حملتها أكثر هدوءا نسبيا، مع استمرار التنافس بين الأحزاب وتركيز خاص على اللوائح والوجوه المرشحة، خصوصا في الاستحقاق الجهوي النسوي.
لكن هذه المؤشرات تظل قراءة أولية وليست حكما نهائيا على موازين القوى. فالكثافة في اللقاءات، وعدد المشاركين في التجمعات، والحضور في الشارع، كلها مؤشرات مهمة لفهم دينامية الحملة، لكنها لا تعادل نتائج صناديق الاقتراع.
ولهذا، فإن القراءة الأكثر دقة ستحتاج في المرحلة المقبلة إلى إضافة مؤشرين آخرين: طبيعة الخطاب الانتخابي والوعود المقدمة للناخبين، ثم مستوى التفاعل الحقيقي مع هذه الخطابات لدى المواطنين. وعند جمع هذه العناصر مع نتائج يوم 23 شتنبر، يمكن حينها الانتقال من قراءة المشهد الانتخابي إلى تحليل التحولات التي أحدثتها هذه الاستحقاقات في الخريطة السياسية بالأقاليم الجنوبية.