Sagyanews
جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة

غياب أبناء الأقاليم الجنوبية عن الحكومة الجديدة يثير جدلا حول التمثيلية السياسية.. هل تحولت الصحراء إلى خزان انتخابي فقط؟

علي الكوري

أثار الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري نقاشا واسعا في الأقاليم الجنوبية للمملكة، امتد من المنازل والمقاهي إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث تصاعدت التساؤلات بشأن غياب أبناء الصحراء عن الحقائب الوزارية، رغم حضورهم في المشهد الانتخابي ومشاركتهم في الاستحقاقات السياسية والدفاع عن القضايا الوطنية. ولم يعد النقاش مقتصرا على أسماء غابت عن لائحة الوزراء، بل تحول إلى مساءلة أوسع لطبيعة العلاقة بين التمثيلية الانتخابية والحضور في مراكز القرار، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل أصوات الناخبين في الجنوب إلى مشاركة فعلية في تدبير الشأن الحكومي.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة بالنظر إلى الثقل الانتخابي والسياسي للأقاليم الجنوبية، التي تشكل جزءا أساسيا من المشهد الوطني، وتعرف حضورا لمختلف الأحزاب خلال الاستحقاقات الانتخابية. فالأمر لا يتعلق بمجرد المطالبة بحقيبة وزارية على أساس الانتماء الجغرافي، وإنما بطرح سؤال جوهري حول موقع الكفاءات المنحدرة من هذه الأقاليم داخل الأحزاب التي تستفيد من أصوات ناخبيها، ومدى حضورها في المفاوضات التي تسبق تشكيل الحكومات وتوزيع المسؤوليات. وهو ما يدفع بعض المتابعين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الأقاليم تحظى بالاهتمام نفسه عند توزيع مواقع القرار الذي تحظى به عند طلب الدعم الانتخابي.

 

وفي هذا السياق، أعادت حياة لعرايش، النائبة البرلمانية السابقة، طرح النقاش من زاوية مسؤولية الأحزاب السياسية في صناعة النخب وتأهيلها. واعتبرت أن غياب الصحراويين عن الحكومة يطرح أسئلة حول دور الأحزاب في إعداد الكفاءات وتمكينها من الوصول إلى مراكز المسؤولية، مشددة على أن الإنصاف لا يعني اعتماد المحاصصة الجهوية، بل ضمان تكافؤ الفرص والاحتكام إلى الكفاءة والاستحقاق. كما أثارت تساؤلات بشأن ما إذا كان هذا الغياب مرتبطا بنقص الكفاءات المؤهلة، أم بمحدودية حضورها داخل المسارات الحزبية التي تفضي إلى مواقع القرار، منتقدة الممارسات التي تقدم الاعتبارات العائلية والقبلية والولاءات الشخصية على حساب الكفاءة وتجديد القيادات.

 

 

 

أما البتول الداودي، الدكتورة في العلوم السياسية، فقد اختارت لغة أكثر مباشرة في التعبير عن هذا الشعور بالإقصاء، من خلال تساؤلها: «أعاقر هي الصحراء عن إنجاب الكفاءات؟! أم أن أبناءها خلقوا فقط لحشو صناديق الانتخابات؟!». وذهبت الداودي، في تدوينة ذات حمولة سياسية واضحة، إلى مساءلة المفارقة بين استحضار أبناء الأقاليم الجنوبية خلال الحملات الانتخابية والمناسبات الوطنية، وغيابهم عند توزيع الحقائب الوزارية، معتبرة أن الصحراء تحضر في الخطابات بقوة، لكنها تغيب عن التعيينات. كما ربطت بين هذا الوضع والرهانات المستقبلية المرتبطة بتنزيل الحكم الذاتي وتدبير الاختصاصات، متسائلة عن مدى وجاهة الحديث عن هذه الرهانات دون إتاحة فرص أوسع للكفاءات الصحراوية للمساهمة في تدبير الشأن العام.

 

 

ولم تغفل الداودي تهنئة الوزراء الذين حظوا بثقة التعيين، مؤكدة أن الاعتراض على الإقصاء لا يتعارض مع التهنئة ولا يلغي العلاقات الإنسانية والسياسية. وتحمل هذه الإشارة دلالة مهمة في فهم طبيعة النقاش الدائر، إذ لا يتعلق الأمر بالضرورة بموقف ضد أشخاص بعينهم أو تشكيك في مؤهلاتهم، بقدر ما يتعلق بمساءلة المعايير التي تحكم تشكيل الحكومة، ومدى حضور التوازن بين الاستحقاق والكفاءة من جهة، والتمثيلية السياسية والمجالية من جهة أخرى. فالنقاش، في جوهره، يتجاوز الأسماء إلى آليات إنتاج النخب وتوزيع المسؤوليات داخل المشهد الحزبي الوطني.

 

 

 

وتزداد حدة هذه التساؤلات عند استحضار التمثيلية البرلمانية للأقاليم الجنوبية في الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، إذ أفرزت النتائج، وفق المعطيات المتداولة، 34 مقعدا بمجلس النواب موزعة على الجهات الجنوبية الثلاث، تشمل كلميم واد نون والعيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب. وتضم هذه الحصيلة، بحسب الأرقام المشار إليها، 20 نائبا و14 نائبة، بما يعكس حضورا للنساء والرجال في المؤسسة التشريعية. ورغم أن هذه المقاعد لا تعني بالضرورة أن جميع أصحابها ينحدرون من أصول صحراوية، فإنها تبرز حجم المشاركة السياسية والانتخابية للجهات الجنوبية، وتعيد طرح السؤال بشأن مدى ترجمة هذا الحضور إلى مشاركة في السلطة التنفيذية.

غير أن المقارنة بين عدد البرلمانيين والتمثيلية الحكومية لا ينبغي أن تتحول إلى مطالبة آلية بحصة وزارية على أساس الجغرافيا، بقدر ما يجب أن تفتح نقاشا حول معايير اختيار الوزراء ومدى انفتاح الأحزاب على الكفاءات التي تنشط داخل فروعها بالأقاليم الجنوبية. فوجود هذا العدد من المنتخبين، نساء ورجالا، يطرح مسؤولية سياسية وأخلاقية على الأحزاب التي حصدت الأصوات، من أجل توضيح كيفية اختيار مرشحيها للمناصب العليا، والآليات التي تعتمدها لتأهيل الأطر المحلية وإشراكها في المفاوضات الحكومية. فهل تنتهي مهمة المنتخب الصحراوي بمجرد الفوز بالمقعد، أم أن الأحزاب تعتبره جزءا من مشروع سياسي يتيح له التدرج نحو مراكز القرار؟

ومن زاوية أخرى، فإن اختزال المسألة في عدد الوزراء المنحدرين من الأقاليم الجنوبية قد يحجب جوانب أعمق من الأزمة، ترتبط بطبيعة العمل الحزبي وآليات الترشيح والتأطير والتكوين. فبناء نخب قادرة على تحمل المسؤوليات الحكومية يبدأ قبل الانتخابات بسنوات، من خلال منح الكفاءات فرصا حقيقية للمشاركة في صناعة القرار داخل الأحزاب، وتجديد القيادات، وتجاوز منطق الولاءات الضيقة. وهنا تلتقي ملاحظات حياة لعرايش مع انتقادات البتول الداودي، رغم اختلاف أسلوبهما؛ إذ تضع الأولى مسؤولية التأهيل الحزبي في صلب النقاش، بينما تركز الثانية على التناقض بين التعبئة الانتخابية والإقصاء من مواقع المسؤولية.

ولا يمكن فصل هذا الجدل عن الرهانات التنموية والسياسية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، ولا عن الحاجة إلى إشراك كفاءات محلية في بلورة السياسات العمومية المرتبطة بقضايا المنطقة. فكلما ارتفعت انتظارات المواطنين من المؤسسات، ازدادت أهمية توفير قنوات فعلية للمشاركة في القرار، بعيدا عن أي تصور يجعل التمثيلية مجرد أرقام انتخابية أو حضورا موسميا. كما أن الحديث عن تنزيل الحكم الذاتي وتوسيع تدبير الاختصاصات يقتضي نقاشا جديا حول تأهيل النخب المحلية وإشراكها، دون افتراض أن الكفاءة حكر على منطقة أو أن الانتماء الجغرافي يمنح صاحبه أحقية تلقائية في المنصب.

وفي هذا الإطار، يبرز سؤال آخر يتعلق بمسؤولية القيادات الحزبية والمنتخبين أنفسهم في الدفاع عن حضور كفاءات الأقاليم الجنوبية داخل هياكل الأحزاب ومراكز التفاوض على المناصب الحكومية. فهل عبرت القيادات المحلية عن مواقف واضحة خلال مشاورات تشكيل الحكومة؟ وهل تحولت النتائج الانتخابية إلى أوراق تفاوضية للمطالبة بمشاركة أوسع في تدبير الشأن العام؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي نقاشا يتجاوز تحميل المسؤولية لطرف واحد، ليشمل الأحزاب الوطنية وفروعها المحلية والمنتخبين الذين يفترض أن يعكسوا انتظارات قواعدهم، وأن يجعلوا من التمثيلية الانتخابية مدخلا للمشاركة في صناعة القرار، لا غاية تنتهي بمجرد إعلان النتائج.

وفي المحصلة، فإن غياب أبناء الأقاليم الجنوبية عن الحكومة الجديدة ليس مجرد ملاحظة عابرة بشأن تركيبة وزارية، بل مناسبة لمساءلة الأحزاب حول مدى وفائها بوعود الانفتاح وتجديد النخب وتكافؤ الفرص. وبين من يرى أن الأولوية للكفاءة دون أي اعتبار جغرافي، ومن يعتبر أن استمرار الغياب يطرح مشكلة في الإنصاف والتمثيلية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: هل تنظر الأحزاب إلى الصحراء باعتبارها فضاء لإنتاج الكفاءات وصناعة القرار، أم باعتبارها خزانا انتخابيا تستحضره عند صناديق الاقتراع وتغيب أبناءه عند توزيع الحقائب؟ إن الإجابة لن تكون بالشعارات، بل بمدى قدرة الأحزاب على فتح مسارات حقيقية أمام الكفاءات الصحراوية، وباعتماد معايير شفافة تجعل الوصول إلى المسؤولية نتيجة للاستحقاق، لا رهينة للحسابات والولاءات.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.