الساقية نيوز تحاور الدكتورة رفيقة اليحياوي حول مؤلفها الجديد «النشاط الإداري في ضوء التحولات الرقمية: من الرقمنة التقنية إلى إعادة تأسيس المعنى»
علي الكوري
أجرت مؤسسة الساقية نيوز حوارا صحفيا مع الدكتورة رفيقة اليحياوي، بمناسبة صدور مؤلفها الجديد «النشاط الإداري في ضوء التحولات الرقمية: من الرقمنة التقنية إلى إعادة تأسيس المعنى»، الذي يفتح نقاشا علميا حول واقع التحول الرقمي بالإدارة العمومية المغربية، وحدود المقاربات التقنية في تحديث المرافق العمومية.
وتناول الحوار أبرز التحديات التي تواجه الإدارة المغربية في مسارها الرقمي، وسبل تجاوز بطء المساطر وضعف التنسيق بين المؤسسات والفجوة الرقمية، إلى جانب تسليط الضوء على تصور الدكتورة اليحياوي لنموذج «الإدارة المعنوية الذكية»، القائم على المعنى والبيانات والقرار والأثر، باعتباره مدخلا لتعزيز نجاعة الأداء الإداري وتحسين جودة الخدمات وتقوية ثقة المواطن في الإدارة.

تعد الأستاذة رفيقة اليحياوي من الكفاءات الأكاديمية والحقوقية المهتمة بمجال القانون العام وتدبير الشأن الإداري، حيث تجمع بين التكوين العلمي والتدريس والبحث الأكاديمي بجامعة ابن زهر، مع اهتمام خاص بالقانون الإداري والجماعات الترابية واللاتمركز الإداري والمواكبة القانونية. كما تنصب اهتماماتها العلمية على قضايا الحكامة الإدارية والتحولات الرقمية وتحديث المرفق العمومي، بما يعكس انشغالها بتطوير الممارسة الإدارية وتعزيز مبادئ الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وتقدم تجربتها الأكاديمية والبحثية نموذجا لحضور المرأة الصحراوية في مجالات المعرفة والقانون والمساهمة في النقاش العمومي حول إصلاح الإدارة وتجويد أدائها.
1. يحمل كتابكم عنوان «النشاط الإداري في ضوء التحولات الرقمية: من الرقمنة التقنية إلى إعادة تأسيس المعنى». ما الذي دفعكم إلى الانتقال من مقاربة الرقمنة باعتبارها وسيلة لتحديث الإدارة إلى مساءلة المعنى الحقيقي لهذا التحول وأثره في وظيفة الإدارة العمومية ؟
لقد اقترن ادخال الوسائل الرقمية إلى المجال الإداري بخطاب اصلاحي قوي يقوم على فرضية مفادها أن الرقمنة تمثل مدخلا مباشرا لتحقيق النجاعة الإدارية وتبسيط المساطر وتحسين جودة الخدمات العمومية . غير ان هذا الخطاب رغم وجاهته الظاهريّة يخفي في كثير من الأحيان اختزالاً مفرطا لمفهوم التحول الرقمي من خلال حصره في بعده التقني وإغفال أبعاده القانونية والوظيفية. فالممارسة الإدارية كشفت أن عددا مهما من مشاريع الرقمنة لم تتجاوز مستوى نقل الإجراءات التقليدية إلى دعائم الكترونية دون اعادة النظر في بنيتها او في مشروعيتها أو في الغايات التي تسعى إلى تحقيقها وهو ما ادى إلى ظهور نمط جديد من التدبير يمكن توصيفه ب البيروقراطية الرقمية وبهذا المعنى لم تؤد الرقمنة إلى تجاوز البيروقراطية بل إلى إعادة إنتاجها بأدوات مختلفة مع ما يرافق ذلك من مخاطر تتعلق بتكريس الطابع الشكلي للإجراءات على حساب مضمونها القانوني.
وعليه فإن التحدي الحقيقي الذي يطرحه التحول الرقمي لا يكمن في تحديث الوسائل بقدر ما يتمثل في اعادة ربط القرار الإداري بغايته وضمان توجيهه نحو تحقيق المصلحة العامة وبذلك يصون جوهر الدولة القانونية.
2. أشرتم إلى أن أزمة الإدارة المعاصرة ليست بالضرورة أزمة أدوات وتكنولوجيا، بقدر ما هي أزمة معنى ووظيفة. كيف يمكن تفسير هذه الفكرة في السياق المغربي، في ظل استمرار بعض الإشكالات المرتبطة بجودة الخدمات الإدارية وبطء المساطر وضعف التنسيق بين المؤسسات؟
تشكل المقاربة التقنية احدى السمات البارزة في سياسات الإصلاح الإداري المعاصرة
حيث تم اختزال التحول الرقمي في ادماج التكنولوجيا داخل الادارة على أساس افتراضي ضمني مفاده ان تحسين الأدوات كفيل بتحسين الأداء غير ان هذا التصور رغم وجاهته العملية يعاني من قصور نظري وقانوني عميق يتمثل فى تجاهل طبيعة النشاط الإداري بوصفه نشاطا قانونيا قبل أن ان يكون نشاطا تقنيا .
وبالتالي الأزمة هنا هي أزمة تصور وتأطير اي أزمة تمس جوهر الأسس القانونية والمعنوية التي يقوم عليها الفعل الإداري, فالتحول الرقمي كما تم تنزيله في كثير من التجارب لم يواكبه اجتهاد مواز في إعادة بناء المفاهيم القانونية الناظمة للإدارة مما ادى إلى مفارقة واضحة: إدارة اكثر رقمنة ولكن ليس بالضرورة أكثر مشروعية او فعالية او ثقة
3. يتناول الكتاب واقع التحول الرقمي في المغرب، بما يحققه من إنجازات وما يواجهه من تحديات، خاصة ضعف التكامل واستمرار الفجوة الرقمية والتبعية التكنولوجية. إلى أي حد استطاعت الإدارة المغربية تحقيق تحول رقمي فعلي، وما أبرز الاختلالات التي ما تزال تحول دون الانتقال من رقمنة الإجراءات إلى تحسين تجربة المواطن؟
في هذا المستوى تحديدا تبرز احدى ابرز أعطاب التحول الرقمي في المغرب والمتمثلة فى ضعف التكامل بين الأنظمة المعلوماتية وغياب رؤية نسقية قادرة على توحيد الجهود وتنسيقها ضمن إطار شامل.
فرغم تعدد المنصات الرقمية وتنوعها لاتزال هذه الأخيرة تشتغل في كثير من الأحيان داخل “ جزر رقمية“ معزولة تفتقر إلى الربط البيني الذي يسمح بتبادل المعطيات بشكل سلس وآمن بين الإدارات
ومن منظور الحكامة يكشف هذا الوضع عن محدودية التنسيق الأفقي بين المؤسسات العمومية حيث تظل كل إدارة محكومة بمنطقها الخاص في غياب قيادة رقمية موحدة قادرة على فرض التقائية السياسات وتكاملها كما ان تعدد الفاعلين رغم ما يوفره من غنى مؤسساتي يتحول في غياب آليات للتنسيق الى مصدر للتشتيت والتداخل في الاختصاصات.
4. تقترحون في مؤلفكم نموذجا تحت مسمى «الإدارة المعنوية الذكية»، يقوم على أربع ركائز هي المعنى والبيانات والقرار والأثر. ما الذي يميز هذا النموذج عن التصورات التقليدية للإدارة الرقمية، وكيف يمكن تنزيله عمليا داخل المؤسسات العمومية المغربية بما يضمن نجاعة الأداء وحماية البيانات وتعزيز ثقة المواطن في الإدارة؟
من هنا تبرز الى نموذج “ الادارة المعنوية الذكية “ في السياق المغربي والذي يمكن تفعيله عبر ثلاث مستويات مترابطة
1- ربط الخدمة العمومية بالأثر المجتمعي من هنا يمكن طرح السؤال الجوهري والمتمثل فى : هل الرقمنة تساهم فعلا فى تحقيق الكرامة الاجتماعية ?
2- توظيف الذكاء الاستراتيجي في اتخاذ القرار المناسب فمثلا يمكن استخدام تحليل البيانات للتنبؤ بالهدر المدرسي أو توجيه الاستثمارات الصحية حسب الحاجيات الترابية غير ان ضعف التكامل بين الأنظمة المعلوماتية يعيق ذلك
3- قياس الأثر العمومي بشكل دقيق: ففي العديد من البرامج المغربية يتم التركيز على مؤشرات الإنجاز دون تطوير لمؤشرات الأثر الذي سيعود بالنفع فمثلاً رقمنة الأداءات عبر جباية jibaya – الخزينة العامة للمملكة – حسنت المداخيل لكن تقييم اثرها على الثقة الضريبية او الامتثال الطوعي لأداء الضريبة لا يزال محدودا
ان التحدي الحقيقي في المغرب لا يكمن فى تعميم الرقمنة بل في اعادة توجيهها نحو انتاج قيمة عمومية ذات معنى
ختاما، يمكن القول إن التحول الرقمي في الإدارة العمومية لا يمثل مجرد انتقال من الوسائل التقليدية إلى الأدوات التكنولوجية الحديثة، بل يشكل تحولا عميقا في فلسفة التدبير الإداري وفي طبيعة العلاقة بين الإدارة والمواطن. فالتحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب لا يكمن في تعميم المنصات الرقمية أو تسريع وتيرة رقمنة المساطر، وإنما في ضمان أن تفضي هذه العملية إلى إدارة أكثر مشروعية ونجاعة وشفافية، وأكثر قدرة على الاستجابة للحاجيات الفعلية للمجتمع. ويتطلب ذلك تجاوز المقاربة التقنية الضيقة نحو رؤية متكاملة تجعل من الإصلاح القانوني والمؤسساتي، والتنسيق بين الإدارات، وتأهيل الموارد البشرية، وحماية حقوق المرتفقين، وقياس الأثر العمومي، مرتكزات أساسية لأي تحول ناجح. كما أن توظيف الذكاء الاستراتيجي وتحليل البيانات ينبغي أن يرتبط بتعزيز جودة القرار الإداري وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، لا بمجرد تحسين المؤشرات الكمية للإنجاز. ومن هذا المنطلق، فإن بناء ما يمكن تسميته بـ«الإدارة المعنوية الذكية» يقتضي إعادة الاعتبار للبعد الإنساني والقانوني في الفعل الإداري، بحيث لا تصبح التكنولوجيا بديلا عن المسؤولية أو وسيلة لإعادة إنتاج البيروقراطية بأشكال جديدة، بل أداة لتجاوزها وترسيخ الثقة في المؤسسات. إن مستقبل الإدارة الرقمية في المغرب سيظل رهينا بقدرتها على الانتقال من رقمنة الإجراءات إلى تجديد فلسفة العمل الإداري، ومن تحديث الوسائل إلى تحقيق الأثر، ومن منطق الإنجاز التقني إلى منطق القيمة العمومية. فالإدارة الذكية ليست هي التي تستخدم التكنولوجيا الأكثر تطورا فحسب، بل هي التي توظفها لخدمة المواطن وصون كرامته وضمان حقوقه وتحقيق المصلحة العامة، في إطار دولة القانون والمؤسسات.