«المجتمع لا يعيد إنتاج نخبه لأن النخب أقوى منه دائما، بل لأنه يعيد إنتاج الوعي الذي يمنحها الشرعية.»
بقلم عالي .عبد الدائم

من هنا يمكن قراءة جزء كبير من المشهد السياسي في وادنون. فالمشكلة ليست فقط في تكرار الوجوه، وإنما في البنية الاجتماعية والنفسية التي تجعل السياسة تبدو، أحياناً، وكأنها مجال محفوظ لعائلات بعينها، وشبكات اجتماعية محددة، وأسماء تتوارث الحضور السياسي كما يُورث النفوذ الاجتماعي.
وهنا يفرض نفسه سؤال أكثر عمقاً: هل أصبحت السياسة في وادنون مجالاً لا يُجيده إلا أبناء العائلات التي راكمت النفوذ والرمزية؟ أم أن الأمر يتعلق ببنية اجتماعية تجعل الدخول إلى السياسة أسهل لمن يمتلك مسبقاً رأس مالاً عائلياً أو قبلياً أو اقتصادياً؟
والسؤال الأهم: لماذا كل هذا الصراع حول السياسة؟
هل هو صراع من أجل تصور مختلف للمصلحة العامة، أم أن السياسة تحولت، في بعض مستوياتها، إلى صراع على المواقع والنفوذ وما يمكن أن تمنحه السلطة من امتيازات؟ وهل نحن أمام تنافس ديمقراطي طبيعي، أم أمام نوع من التسلق الطبقي والسياسي الذي يسمح بتحويل الموقع الانتخابي إلى وسيلة لإعادة ترتيب المكانة الاجتماعية؟
لا يمكن اختزال الأمر في اتهام الجميع بالبحث عن «الغنيمة»، كما لا يمكن افتراض أن الجميع يتحرك بدافع المصلحة العامة. بين الاثنين توجد منطقة رمادية تتداخل فيها المصلحة الشخصية مع المصلحة الجماعية، والقرابة مع السياسة، والرمزية الاجتماعية مع الطموح الفردي.
وهنا تظهر المفارقة: قد ننتقد الأعيان، ثم نبحث عن قربهم؛ ننتقد احتكار العائلات، ثم نمنح أبناءها الشرعية؛ ونشتكي من نتائج التدبير، ثم نعيد إنتاج الشروط الاجتماعية التي أنتجتها.
لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: من يملك السياسة في وادنون؟
بل: ما الذي يجعل امتلاك السياسة يتحول إلى امتلاك للشرعية الاجتماعية؟ ومن المستفيد فعلاً من استمرار هذا الشكل من المنافسة؟
فإذا كانت السياسة وسيلة لخدمة الصالح العام، فمن الطبيعي أن تكون مفتوحة أمام الكفاءة والنضال والمشروع، لا أن تتحول إلى امتياز اجتماعي قابل للتوريث. أما إذا أصبحت السياسة طريقاً إلى النفوذ أو الغنيمة أو إعادة إنتاج المكانة الطبقية، فإن الانتخابات، مهما بدت ديمقراطية في شكلها، قد تتحول إلى مجرد آلية لإعادة إنتاج التراتبية نفسها.
وربما هنا تكمن العقدة الانتخابية الأعمق في وادنون: أننا لا نختلف فقط حول من ينبغي أن يحكم، بل نختلف، دون أن نعترف بذلك، حول من يحق له أصلاً أن يدخل دائرة الحكم والتمثيل.