عيد الشباب.. حين يصبح السؤال الحقيقي: ماذا فعلنا لشباب الأقاليم الجنوبية؟
علي الكوري

يحل عيد الشباب كل سنة محملا بالكثير من الشعارات والخطب والاحتفالات، لكن خلف هذه المناسبة الوطنية يبقى سؤال أكثر إلحاحا من كل مظاهر الاحتفال: ماذا فعلنا فعلا من أجل الشباب، خصوصا شباب الأقاليم الجنوبية؟ فحين نتحدث عن التنمية، لا يمكن اختزالها في الأرصفة والحدائق والمساحات الخضراء والنوافير وتجميل الواجهات. التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، ومن قدرته على الحصول على عمل كريم، وعلى بناء مستقبل داخل مدينته بدل البحث عنه في مدن أخرى أو خلف البحر.
الأرقام الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط تكشف أن المشكلة ليست انطباعا عابرا. ففي معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بلغ معدل البطالة 31.5% بجهة كلميم وادنون، و26.6% بجهة العيون الساقية الحمراء، مقابل 10.6% بجهة الداخلة وادي الذهب، في وقت بلغ المعدل الوطني 21.3% وفق المؤشر المعتمد في هذا الإحصاء. وهذه الأرقام وحدها كافية لطرح سؤال صريح حول فعالية السياسات العمومية في خلق فرص اقتصادية حقيقية ومستدامة للشباب بهذه الجهات.
وفي كلميم وادنون، تبدو الصورة أكثر قسوة عندما نقترب من التفاصيل. فقد بلغ معدل البطالة سنة 2025 نحو 20.7%، مع حوالي 29 ألف عاطل، فيما وصلت البطالة وسط الشباب بين 15 و24 سنة إلى 62.1%، وبلغت 36.4% لدى الفئة العمرية بين 25 و34 سنة. أما بين حاملي الشهادات فقد وصل المعدل إلى 29.6%. فهل يمكن، أمام هذه الأرقام، أن نحتفل بعيد الشباب دون أن نجعل التشغيل أولوية حقيقية؟
أما العيون الساقية الحمراء، فرغم ما عرفته الجهة من استثمارات ومشاريع كبرى، فإن أرقام البطالة الواردة في إحصاء 2024 تظل مرتفعة، بما يفرض الانتقال من منطق تعداد المشاريع إلى قياس أثرها الحقيقي على حياة المواطنين. والغاية ليست التقليل من قيمة البنيات التحتية، وإنما طرح سؤال بسيط: كم فرصة شغل دائمة خلقها كل مشروع؟ وكم شابا محليا استفاد منه؟ وكم مقاولة شبابية نشأت بفضله؟
وفي الداخلة وادي الذهب تبدو النسبة أقل بكثير، إذ سجلت 10.6% في إحصاء 2024، وهي أدنى نسبة بين الجهات الثلاث. لكن انخفاض المعدل لا يعني أن مشكلة الشباب انتهت، خصوصا أن الاقتصادات الجهوية مطالبة بتوفير فرص شغل مستدامة لا ترتبط فقط بمواسم أو قطاعات محددة، وبخلق بيئة تسمح للشباب بإطلاق مشاريعهم والاستفادة من الثروة المنتجة داخل المجال الترابي الذي ينتمون إليه.
وهنا يصل السؤال إلى الحكومة: ماذا قدمت خلال هذه الولاية للشاب الذي يحمل شهادة ويجلس سنوات أمام أبواب الإدارات دون عمل؟ صحيح أن الحكومة أطلقت برامج مثل “أوراش” و”فرصة”، واتجهت في 2025 إلى دعم تشغيل غير الحاصلين على شهادات، كما أعلنت خارطة طريق للتشغيل تضم ثماني مبادرات وبغلاف مالي يقارب 15 مليار درهم. لكن التحدي الحقيقي ليس في عدد البرامج ولا في حجم الميزانيات المعلنة، بل في معرفة نصيب الأقاليم الجنوبية منها، وعدد شبابها الذين حصلوا على وظائف مستقرة، وليس مجرد فرص مؤقتة أو تكوينات تنتهي بانتهاء المشروع.
والسؤال نفسه يجب أن يوجه إلى المجالس الجهوية والإقليمية والجماعات الترابية: أين توجد برامج التشغيل الحقيقية في ميزانياتها؟ كم خصصت لدعم المقاولات الناشئة؟ كم مشروعا اقتصاديا شبابيا تم تمويله؟ كم فرصة شغل دائمة خلقتها؟ وهل أصبحت التنمية عند بعض المجالس مجرد منافسة في الإسمنت والتبليط والنوافير والمساحات الخضراء، بينما يظل الشاب يبحث عن عمل ولا يجد سوى المقاهي أو البطالة أو الهجرة؟
لا أحد يعارض تجميل المدن وتحسين فضاءاتها، لكن لا يمكن أن تصبح النافورة أهم من الإنسان، ولا أن يتحول الرصيف إلى عنوان للتنمية فيما يظل الشاب الحاصل على الشهادة عاجزا عن إيجاد فرصة عمل. المدينة الجميلة مهمة، لكن المدينة التي تمنح أبناءها فرصة للعيش الكريم أهم.
والأخطر أن البطالة الطويلة لا تنتج فقط فراغا اقتصاديا، وإنما تفتح الباب أمام اليأس والإحباط والتهميش، وقد تجعل بعض الشباب أكثر عرضة للاستقطاب في شبكات المخدرات أو التفكير في الهجرة السرية. لذلك فإن معالجة هذه الظواهر لا يمكن أن تكون أمنية فقط؛ بل تبدأ من المدرسة، والتكوين، والعمل، والثقافة، والرياضة، ودعم المقاولة، وخلق اقتصاد محلي قادر على استيعاب أبناء المنطقة.
إن الأقاليم الجنوبية لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تقول إن التنمية وصلت إليها، بقدر ما تحتاج إلى أرقام واضحة حول ما وصل إلى شبابها. تحتاج إلى كشف عدد مناصب الشغل التي خلقتها المشاريع العمومية، ونسبة استفادة أبناء المنطقة منها، وعدد المقاولات التي أسسها الشباب، وحجم التمويلات الموجهة لهم، ونسبة المشاريع التي تحولت إلى أنشطة اقتصادية مستدامة.
في عيد الشباب، ربما آن الأوان لتغيير السؤال من: ماذا أنجزنا من مشاريع؟ إلى: ماذا تغير فعلا في حياة الشباب؟ لأن التنمية التي لا يجد فيها الشاب عملا، ولا يستطيع تأسيس مشروع، ولا يرى مستقبله في مدينته، تظل تنمية ناقصة مهما كانت جميلة واجهاتها.
والأقاليم الجنوبية، بما تتوفر عليه من مؤهلات بحرية وفلاحية وسياحية ولوجستية وطاقية، لا ينقصها الإمكانات، وإنما تحتاج إلى سياسات تجعل الشباب شريكا في إنتاج الثروة، لا مجرد متلق للمساعدات والبرامج الظرفية. فالشاب لا يريد فقط ملعبا أو حديقة أو نافورة؛ يريد فرصة، دخلا، كرامة، ومستقبلا.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للحكومة والمجالس المنتخبة معا: ليس عدد المشاريع التي دشنوها، ولا عدد الصور التي التقطت أمامها، وإنما عدد الشباب الذين أصبحوا قادرين على بناء حياتهم دون أن يضطروا إلى مغادرة مدنهم بحثا عن فرصة في مكان آخر أو المخاطرة بحياتهم عبر الهجرة السرية.
عيد الشباب ليس مناسبة للاحتفال فقط، بل مناسبة للمساءلة أيضا. وإذا كانت الأرقام تقول إن البطالة ما تزال مرتفعة في أجزاء واسعة من الأقاليم الجنوبية، فإن أفضل احتفال بالشباب سيكون في تحويل هذه الأرقام إلى هدف سياسي واضح: خفض البطالة، خلق وظائف دائمة، محاربة التهميش، وربط كل مشروع تنموي بعدد فرص الشغل التي سيخلقها لأبناء المنطقة.
لأن الشباب لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه كل سنة، بل إلى من يفتح أمامه باب المستقبل.

