Sagyanews
جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة

مفارقة وادنون، أو حين تتصادم خرائط النزاع بخرائط الهوية

ذ محمد لعتيك

تعيش الدولة المغربية اليوم واحدة من أكثر لحظات ملف الصحراء حساسية وتعقيدا: لحظة تتقاطع فيها الحدود الدولية التي رسمها الاستعمار الإسباني، مع الامتدادات القبلية والاجتماعية التي لم تعترف يوما بخطّ مستقيم مرسوم على ورق، فإن وسّعت الدولة الحكم الذاتي ليشمل جهة كلميم–وادنون، بدت كمن يتنازل طواعية عن أراض غير مشمولة أصلا بالنزاع.. وإن حصرته داخل الحدود الأممية، ظهرت وكأنها تكافئ من تمسّك بالانفصال وتعاقب من حمل السلاح دفاعا عن الوحدة، خصوصا أبناء وادنون الذين كانوا خط الدفاع الأول حين كانت الدولة في أضعف حالاتها.. إنها معضلة الحدود والهوية: قانون دولي جامد، وإحساس اجتماعي مرن، لا يلتقيان إلا ليتصادما…
وقد اشتدّ الجدل حين صرّح رئيس جهة العيون، السيد حمدي ولد الرشيد، بأن الحكم الذاتي لا يعني جهة وادنون، كان التصريح بمثابة حجر سقط في ماء راكد، فكشف أزمة أعمق: من يملك حق تعريف “الصحراوي”؟ أهو الانتماء الترابي كما ورثته الأمم المتحدة؟ أم الامتداد القبلي الذي سبق الحدود ونجا منها؟ بل إن السؤال يطفو داخل جهة العيون نفسها، حيث تتداخل انتماءات تاريخية وسياسية وإدارية بشكل يستحيل اختزاله في تعريف واحد.
وتتجسد المفارقة أكثر في مناطق مثل المحبس، التي تراها الدولة جماعة قروية تابعة لإقليم آسا الزاك داخل جهة كلميم–وادنون، بينما تُصنّفها الخرائط الأممية جزء من “الإقليم غير المتمتع بالحكم الذاتي”، ويُوضع قربها موقع ميداني لبعثة المينورسو. هذه الازدواجية—منطقة تُعَدّ وطنيا امتداداً طبيعياً لواحات وادنون، بينما تراها الأمم المتحدة نقطة تماس للنزاع—تكشف أن الإشكال جغرافي–دولي قبل أن يكون إداريا، فإذا كان وضع المحبس نفسه يتأرجح بين شرعية وطنية ومرجعية أممية، فكيف تُرسم خطوط حكم ذاتي دون أن تظلم ذاكرة من ضحّى؟ وكيف تُعرّف الهوية الصحراوية دون أن تُستخدم كأداة إقصاء؟
ولأن كل أزمة سياسية تحمل دائما جانبا اجتماعي خفيا، فإن ما يحدث بين جزء من نخب العيون ووادنون ليس خلافا على الهوية فقط… بل على الكعكة التنموية.. فالمركز يمنح الجهات جزءً مما هو حقها أصلا، ثم يتركها تتصارع على ما قُسّم لها من فوق رؤوسها(بكلامنا حنا) و كما قال غسان كنفاني: “يسرقون رغيفك، ثم يعطونك كسرة منه…” و الوقاحة لا تكمن في الفتات فقط، بل في تحويله إلى صراع داخلي بين الإخوة.
وهنا يظهر بوضوح ما وصفه أمين معلوف في “الهويات القاتلة”: حين تُختزل الهوية إلى عنصر واحد، وتُقدَّم كأنها “الحقيقة النهائية”، تتحول من جسر إلى خندق، ففي العيون تُختزل الهوية الصحراوية في الحدود الأممية، وفي وادنون تُختزل في تاريخ المقاومة والتضحية، وكلتاهما صحيحة… حين تكون جزءً من الكل، لكنها قاتلة حين تلبس قناع “الهوية الوحيدة”..إنها النسخة المحلية من “الهويات القاتلة”: هويات تُصنع بخطاب سياسي ضيق، لا بتجربة الإنسان المركّبة والمتعددة.
الحل، إذن، لا يكمن في توسيع الحكم الذاتي جغرافيا، بل في توسيعه سياسيا ورمزيا: الاعتراف بأن الهوية الصحراوية أوسع من خرائط الأمم المتحدة، وبأن أبناء وادنون جزء أصيل من السردية التاريخية للجنوب..وأن جبر ضررهم—المعنوي، السياسي، والتنموي—ليس منّة ولا استثناء ترابيا، بل شرطٌ أساسي لحماية الوحدة و عيدها(..)
بهذه المقاربة فقط يلتقي القانون الدولي مع الذاكرة، وتلتقي العدالة الترابية مع الإنصاف، وتعود الهوية الصحراوية إلى صورتها الأصيلة: هوية مركّبة لا تُختزل… ولا تُستعمل أداة لإقصاء أحد..حتى لا تبدو الدولة، من حيث لا تريد، وكأنها تكافئ من خاصمها… وتعاقب من دافع عنها.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.