Sagyanews
جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة

الحسانية في الدستور المغربي.. مكانة قانونية وطنية ورهان مؤسساتي لحماية الهوية الثقافية الصحراوية

علي الكوري و مبارك الحيروش

تستند اللغة الحسانية في المغرب إلى مكانة دستورية خاصة، باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الهوية الثقافية الوطنية، وهو ما أكده الفصل الخامس من دستور المملكة، الذي ينص على أن الدولة تعمل على صيانة الحسانية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة. ويضع هذا المقتضى الدستوري حماية الحسانية وتطويرها ضمن مسؤوليات الدولة، بما يجعلها تتجاوز إطار التداول الشفهي المحلي نحو مجال الحماية المؤسساتية وصون الذاكرة الثقافية الوطنية.

ويشكل القانون التنظيمي رقم 16.04 المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.34 بتاريخ 30 مارس 2020، أحد المراجع القانونية المؤطرة للسياسة اللغوية والثقافية بالمغرب. ويحدد هذا القانون الإطار المؤسساتي المعني بحماية الحسانية ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية، من خلال إحداث هيئة خاصة بالحسانية تضطلع بمهام إعداد مشاريع الآراء والتوصيات والمقترحات والدراسات والأبحاث، والمساهمة في جمع الموروث الثقافي الحساني وتصنيفه وتوثيقه ونشره بمختلف تجلياته ومظاهره.

ولا تقف اختصاصات هذه الهيئة عند حدود التوثيق وحفظ الذاكرة، بل تمتد إلى اقتراح التدابير الكفيلة بحفظ الحسانية وصيانتها وتثمينها وإبراز قيمتها باعتبارها جزءا من الذاكرة الوطنية، فضلا عن إنجاز الدراسات والأبحاث العلمية المرتبطة بمجال اختصاصها. وتؤسس هذه المهام لمسؤولية مؤسساتية واضحة في التعامل مع الحسانية بوصفها نسقا لغويا وثقافيا متكاملا، يحتاج إلى البحث العلمي والتأصيل والتطوير، وإلى سياسات عمومية قادرة على تحويل المقتضيات القانونية إلى إجراءات ملموسة.

وفي المجال التربوي، يبرز القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي مرجعا أساسيا لتوجيه السياسة التعليمية بالمغرب، من خلال تأكيد أهمية الأبعاد الثقافية والاجتماعية في بناء شخصية المتعلم وتعزيز اندماجه في محيطه. ويقوم هذا التوجه على جعل المدرسة فضاء لنقل التراث الوطني وتثمين مختلف روافد الهوية المغربية، مع ضمان الانفتاح على الثقافات الإنسانية. ومن هذا المنطلق، تبرز مسألة إدماج الحسانية في المنظومة التعليمية باعتبارها إحدى القضايا التي تستحق معالجة تشريعية وتربوية واضحة، تستحضر مكانتها الدستورية وخصوصيتها الثقافية وحاجيات الأجيال الصاعدة.

وتعزز الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 هذا التوجه، من خلال تأكيد الدور المحوري للمدرسة في تحقيق الاندماج السوسيوثقافي للمتعلمين، باعتبارها حاملة للثقافة وناقلة لها، عبر المدرسين والبرامج الدراسية والكتب المدرسية والتكوينات والأنشطة التربوية والثقافية والفنية. كما تدعو إلى جعل الثقافة بعدا عضويا من أبعاد الوظائف الأساسية للمدرسة، بما يضمن نقل التراث الثقافي والحضاري والروحي المغربي، وترسيخ التعددية الثقافية، وتعزيز الانفتاح على ثقافات الغير.

وفي السياق ذاته، تطرح الرؤية الاستراتيجية مجموعة من الإجراءات العملية، من بينها إعداد خارطة للمكونات الثقافية واللغوية المغربية، والاهتمام بها في السياسات التعليمية، وإدراج وحدات ومجزوءات للتكوين الثقافي والتربية على الثقافة ضمن برامج تكوين الأطر التربوية. وتتيح هذه التوجهات أرضية مرجعية للنقاش حول موقع الحسانية داخل المدرسة المغربية، وكيفية الانتقال من الاعتراف بتعدد مكونات الهوية الوطنية إلى ضمان حضور فعلي ومنصف لهذه المكونات في البرامج والمناهج والوسائط التعليمية.

وانطلاقا من هذه المرتكزات الدستورية والقانونية والتربوية، تبرز المطالبة بتدريس الحسانية مادة دراسية قائمة الذات، تستند إلى تصور علمي وبيداغوجي واضح، باعتبارها الوعاء اللساني الذي يحمل الثقافة الحسانية ويستوعب تعبيراتها الفنية والأدبية والقيمية، فضلا عن تاريخها وجغرافيتها وذاكرتها الاجتماعية. ولا يتعلق الأمر بمجرد إضافة مفردات أو تعابير محلية إلى المقررات، بل بإرساء مسار علمي يتيح ضبط المفاهيم وتقعيد المصطلحات وتطوير المعجم الحساني، وحمايته من التراجع والاندثار، مع توثيق تنوعاته وتعبيراته الحية.

إن إدماج الحسانية في المنظومة التعليمية، متى جرى وفق تصور مؤسساتي مدروس، يمكن أن يشكل جسرا بين المدرسة والذاكرة الثقافية الصحراوية، وأن يعزز شعور المتعلمين بالانتماء إلى هويتهم ومحيطهم، دون تعارض مع وحدة الهوية المغربية وتعدد روافدها. كما أن تحقيق هذا الهدف يقتضي تنسيقا بين المؤسسات المعنية باللغة والثقافة وقطاعات التربية والتكوين والبحث العلمي، إلى جانب إشراك الباحثين والفاعلين الثقافيين والناطقين بالحسانية في إعداد مرجعيات علمية ومناهج ملائمة.

 

وبذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في الاكتفاء بالتنصيص على مكانة الحسانية في الوثائق الدستورية والقانونية، بل في مدى القدرة على تفعيل هذه المقتضيات عبر برامج واضحة وآليات تنفيذية قابلة للتقييم. فصيانة الحسانية مسؤولية تتجاوز حفظ الكلمات والتعابير إلى حماية منظومة متكاملة من المعرفة والقيم والإبداع والذاكرة، وجعلها جزءا حيا من التعليم والبحث العلمي والسياسات الثقافية الوطنية.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.