بين الأمس واليوم.. هل يقود تناقض المواقف الحسين أحريش إلى نهاية مساره السياسي؟
إدارة النشر
ليست المشكل في انتقال الحسين أحريش في حد ذاته من حزب إلى آخر، فالبحث عن تموقع السياسي بين التنظيمات السياسية يظل حقا مكفولا داخل الممارسة الديمقراطية، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في حجم التناقض بين الخطاب الذي دافع عنه لسنوات طويلة وبين الموقع السياسي الذي اختار الاصطفاف داخله اليوم.
فالرجل الذي قدم نفسه في مراحل سابقة كصوت معارض لسياسات حزب التجمع الوطني للأحرار، وانتقد توجهاته الاقتصادية وخياراته السياسية، ورفع شعارات الدفاع عن الأرض وحقوق الساكنة بإقليم آسا الزاك ومواجهة ما كان يصفه بتغول المصالح العقارية، أصبح اليوم جزءا من المشروع السياسي نفسه الذي كان يوجه إليه سهام النقد. وهو تحول يراه كثيرون انتقالا يصعب تفسيره بمنطق التطور الفكري أو المراجعة السياسية الطبيعية، بقدر ما يعكس استعدادا للتخلي عن المواقف السابقة كلما تغيرت موازين القوة ومواقع النفوذ.
لقد بنى أحريش جزءا مهما من حضوره السياسي على خطاب المظلومية والدفاع عن قضايا الساكنة المحلية مستغلا الفراغ السياسي خصوصا فئات بعينها بالمنطقة، خصوصا في الملفات المرتبطة بالأرض وملف الاستثمار ، لكن التحاقه بالحزب الذي ظل يمثل، في نظر أنصاره ومؤيديه السابقين، عنوانا للسياسات التي كان ينتقدها، وضعه في مواجهة مباشرة مع أرشيفه السياسي وتصريحاته السابقة، وجعل من الصعب إقناع الرأي العام بأن الأمر يتعلق بقناعة جديدة لا بمجرد تموقع انتخابي.
ويبدو أن أخطر ما في هذا التحول ليس تغيير اللون الحزبي في حد ذاته، بل سقوط المبررات الأخلاقية والسياسية التي استند إليها خطابه لسنوات. فحين يصبح الخصم السياسي حليفا بين ليلة وضحاها، وتتحول الانتقادات الحادة إلى تزكية ودفاع، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس لماذا غير الحزب، بل لماذا تغيرت المبادئ؟
ويرى متابعون أن الرهان على ذاكرة انتخابية قصيرة قد يكون خطأ سياسياً قاتلا، لأن الناخب أصبح أكثر قدرة على مقارنة المواقف ورصد التناقضات،لذلك فإن أي ترشح مستقبلي لأحريش قد لا يُقرأ باعتباره عودة إلى الواجهة، بقدر ما قد يشكل اختبارا حقيقيا لمدى قبول الشارع لهذا النوع من التحولات السياسية الانتهازية.
وفي حال فشل هذا الرهان الانتخابي، فإن ذلك لن يُنظر إليه كخسارة عادية في صندوق الاقتراع، بل كنهاية لمسار سياسي كان صاحبه يطمح إلى لعب أدوار أكبر داخل المشهد المحلي نهاية قد تُطوى معها صفحة تجربة سياسية راهنت على الخطاب الاحتجاجي والدفاع عن المبادئ، قبل أن تصطدم باتهامات الانتهازية السياسية والبحث عن المصلحة الحزبية والشخصية.
ففي السياسة قد يغفر الناخب الأخطاء، وقد يتفهم المراجعات الفكرية الصادقة، لكنه نادرا ما يتسامح مع التناقضات الصارخة التي تجعل المبدأ مجرد شعار مرحلي، يُرفع حين يخدم المصلحة ويُستبدل حين تتغير الحسابات، ومن هنا تبدو معركة أحريش المقبلة، إن قرر خوضها، معركة مع تاريخه السياسي قبل أن تكون مع خصومه الانتخابيين.
وتدفع هذه التطورات بعض المتابعين إلى البحث عن تفسيرات تتجاوز البعد الشخصي في قرار التحاق الحسين أحريش بحزب التجمع الوطني للأحرار، وربطه بحسابات داخلية وصراعات نفوذ غير معلنة داخل الحزب على المستوى الجهوي. فبحسب قراءات سياسية متداولة، لا يمكن فصل هذا المعطى عن التجاذبات التي تعرفها هياكل الحزب بجهة كلميم وادنون، خاصة في ظل بروز مؤشرات على وجود تنافس بين تيار تقوده المنسقة الجهوية للحزب ورئيسة مجلس الجهة مباركة بوعيدة، وبين أطراف أخرى تسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وفي هذا السياق، يذهب بعض المراقبين المهتمين الشأن السياسي ،إلى أن استقطاب شخصية مثل الحسين أحريش، بما راكمه من حضور انتخابي بخلفية انتهازية، قد لا يكون مجرد عملية توسيع للقاعدة الحزبية، بل جزءا من تكتيك سياسي يروم خلق مراكز تأثير جديدة داخل الجهة، بما يسمح بإعادة توزيع أوراق القوة والنفوذ،وتستند هذه القراءة إلى فرضية مفادها أن بعض الطامحين إلى لعب أدوار قيادية أكبر داخل المشهد الجهوي بزعامة الوزير المدلل مصطفى بتياس ، لربما التمهيد للاستحقاقات المرتبطة برئاسة مجلس الجهة مستقبلا، يدركون أن استمرار هيمنة مباركة بوعيدة على التنظيم الحزبي والمشهد الانتخابي الجهوي يشكل عائقا أمام طموحاتهم السياسية.
ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى الدفع بأحريش إلى واجهة المشهد تحت يافطة حزب الحمامة باعتباره محاولة لإحداث اختراق داخل الخريطة الانتخابية التقليدية، واستقطاب جزء من الأصوات التي كانت تتحرك خارج دائرة نفوذ الحزب، أو تلك التي كانت تجد في الخطاب الاحتجاجي لأحريش تعبيرا عن مطالبها،غير أن هذه المقاربة، إن صحت لا تخلو من مخاطرة سياسية، لأن تحويل الوافدين الجدد إلى أدوات في صراعات الأجنحة قد ينعكس سلبا على صورة الحزب نفسه، ويعزز الانطباع بأن معايير الاستقطاب لم تعد مرتبطة بالانسجام الحزبي أو السياسي، بقدر ما أصبحت خاضعة لمنطق موازين القوى والحسابات الظرفية.
كما أن الرهان على أحريش في سياق صراع النفوذ الداخلي بإقليم آسا الزاك قد يضعه هو الآخر في موقع ضعف، إذ سيكون مطالبا بإقناع الرأي العام خصوصا مناصري حراكه السياسي (باسم الحراك)، بأن انتقاله لم يكن مجرد ورقة في معركة أجنحة داخل الحزب، بل خياراسياسياً نابعاً من قناعة واضحة،وهي مهمة تبدو معقدة بالنظر إلى حجم التناقض بين خطابه السابق وموقعه الحالي ، وما يرافق ذلك من تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لهذا الاصطفاف الجديد وتوقيته السياسي.

