Sagyanews
جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Aid Chabab

كلميم / تمزيق دفاتر التلاميذ الصغار بعد نهاية الموسم الدراسي: سلوك طفولي بين التفريغ النفسي وغياب ثقافة التراكم المعرفي

علي الكوري رئيس التحرير

تعد ظاهرة اتلاف التلاميذ لدفاترهم المدرسية مباشرة بعد انتهاء الموسم الدراسي، خاصة في التعليم الابتدائي، سلوكا متكررا في عدد من البيئات التعليمية، حيث يتحول دفتر التلميذ الذي هو في الاصل سجل لتراكم المعرفة الى اوراق تتمزق او ترمى دون ادنى اعتبار لقيمته التربوية او الرمزية. هذه الممارسة، رغم بساطتها الظاهرية، تحمل دلالات عميقة مرتبطة بطبيعة التصور الذي يحكم علاقة المتعلم بالمعرفة، وبمدى ترسيخ فكرة المدرسة كمسار لا كمحطة.

من منظور تربوي، يؤكد عدد من الباحثين في علوم التربية ان التعلم عملية تراكمية لا تنتهي بانتهاء الموسم الدراسي، بل تستمر عبر الذاكرة والتجربة والمراجعة. ويشير باولو فريري في تربية المقهورين الى ان المعرفة ليست معطى يستهلك ثم يتخلص منه، بل بناء تدريجي للوعي. وعليه، فان تمزيق الدفاتر يمكن ان يفهم كترسيخ غير واع لفكرة ان التعلم مرحلة عابرة لا مسار ممتد، وهو ما يتناقض مع فلسفة التربية الحديثة التي تجعل من التعلم عملية مستمرة تتغذى من ذاتها.

ومن جهة اخرى، فان ثقافة حفظ العلم وتوثيقه ليست غريبة عن تراثنا التربوي والثقافي. فقد ورد في الاثر العلم صيد والكتابة قيده، في اشارة واضحة الى اهمية التدوين والاحتفاظ بالمعرفة. كما ان ابن خلدون يؤكد في مقدمته ان العلم لا يترسخ الا بالتدرج والتكرار والمراجعة، وهي كلها عمليات تجعل من الدفتر اداة اساسية في بناء الذاكرة التعليمية لا مجرد وثيقة مؤقتة يتخلص منها بانتهاء الموسم.

ان هذا السلوك لا يمكن فهمه خارج السياق الاجتماعي والتربوي المحيط بالتلميذ، حيث ينظر في كثير من الاحيان الى الدفتر باعتباره نهاية مرحلة يجب التخلص منها، بدل اعتباره ارشيفا شخصيا يعكس مسارا كاملا من التعلم والتطور. وهو ما يكشف عن غياب ما يمكن تسميته بثقافة الذاكرة التعليمية التي تعد شرطا اساسيا لبناء متعلم قادر على مراجعة ذاته وتقييم تقدمه.

من الناحية النفسية، قد يعكس هذا الفعل رغبة رمزية في التخلص من ضغط الدراسة والانفصال عن سنة دراسية مرهقة، غير ان هذه اللحظة التحررية قد تتحول الى خسارة تربوية، لانها تحرم المتعلم من فرصة العودة الى ما كتبه ومراجعة تطوره واكتشاف نقاط قوته وضعفه، وهو ما تعتبره نظريات التعلم الذاتي عنصرا جوهريا في بناء الاستقلالية المعرفية.

وفي هذا السياق، يضيف الاستاذ احمد سيدي الغازي، استاذ بالثانوي الاعدادي بعدا انسانيا وتربويا مهما حين يقول: كمن يكسر الاغلال مزق التلاميذ الدفاتر بانتشاء نشوة التحرر من قيد ما. يقطعون الاوراق الى اجزاء صغيرة ويعضون على شفاههم يجترحون هذا الفعل بجدية وتفان كبيرين. تساءلت مع التلاميذ يوما لم تمزقون الدفاتر واخذت نموذجا لتلميذة تواظب على كتابة دروسها بخط جميل. واضفت هل هذا الدفتر الانيق يستحق ان نذبحه ونمزقه لماذا لا نجعل منه تحفة تؤرخ للمسار الدراسي ما فائدة المدرسة ان عجزت عن تغيير سلوكاتنا

ويضيف في ملاحظته التربوية ان الخطا لا يمكن اختزاله في التلميذ وحده، اذ يؤكد لا ينبغي ان نسلم بان التلاميذ هم مجرد فئة متمردة او لا مبالية، فهناك تلاميذ نجباء لا يمزقون دفاترهم ويقدمون نماذج مسؤولة. وهنا يجب ان نسائل انفسنا اين يكمن الخلل اهي الاسرة التي لم تقم بدورها التربوي ام ان المشكلة اعمق تتداخل فيها ازمة القيم وضعف المناهج وتغير المجتمع

ان هذه الاسئلة تفتح الباب امام مساءلة جماعية لا تلقي باللوم على طرف واحد بل تدعو الى فهم اعمق لبنية الفعل التربوي بكل تعقيداته.

ختاما، فان معالجة ظاهرة تمزيق الدفاتر لا تتحقق بالمنع او التوجيه المباشر فقط بل باعادة بناء علاقة التلميذ بالمعرفة بوصفها تراكم طويل المدى. فالدفتر ليس مجرد اوراق منتهية الصلاحية بل سجل لمسار تعلم كامل ومرآة صغيرة لرحلة النمو المعرفي. وربما يكون من الضروري ان تتحول الممارسة التربوية نحو تشجيع الاحتفاظ بالدفاتر كارشيف تعلم يرافق المتعلم ويذكره بان المعرفة لا ترمى بل تبنى وتراجع وتستثمر

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.