Sagyanews
جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Aid Chabab

كيف فقدت كلمة «المناضل» معناها في الخطاب الحزبي؟

بقلم : ذ. المخطار زابيلا

يقول أهل السياسة والإجتماع : تولد الأمم من الأفكار قبل أن تبنى بالمؤسسات، وتحفظ الديمقراطيات بصدق المفاهيم قبل أن تصان بالقوانين.
فحين تفقد الكلمات معناها، لا يكون الخطر لغويا فحسب، بل يصبح سياسيا وأخلاقيا؛ لأن اللغة هي الوعاء الذي يحمل شرعية السلطة ويمنحها مشروعيتها. ولذلك لم يكن الفلاسفة يبالغون عندما جعلوا أول شروط إصلاح الدولة هو “تصحيح الأسماء”، إذ كانوا يرون أن فساد الأسماء يؤدي إلى فساد المعاني، وفساد المعاني يقود إلى فساد الأفعال، ثم إلى إنهيار العدالة والنظام العام.
ومن بين المفاهيم التي تعرضت لتحولات عميقة في الفكر الحزبي المغربي خاصة، يبرز مفهوم “المناضل”. فهذا المصطلح لم يكن في نشأته وصفا تنظيميا أو امتيازا حزبيا، بل كان يمثل هوية أخلاقية وإنسانية إرتبطت بالتضحية، وتحمل المعاناة، والدفاع عن الحرية والعدالة مهما بلغت التكاليف. لقد كان المناضل هو الإنسان الذي يدفع ثمن أفكاره من حريته أو رزقه أو حياته، وليس من يحصل على مكافأة مقابل إنتمائه التنظيمي كما يحدث حاليا وسط جزء كبير من الأحزاب المغربية ذات التوجه الليبرالي والرأسمالي أو تلك الإدارية كما يسميها فقه اليسار.
وبذلك عرف المفهوم، خلال العقود الأخيرة، تحولات جوهرية في بلادنا، حيث أصبح يطلق – كما في بعض الخطابات الحزبية – على كل عضو أو منتخب أو مسؤول حزبي، بغض النظر عن طبيعة ممارسته أو أنشطته والتي قد يكون مشكوك في الكثير منها من حيث المصدر أو التمويل.
وبهذا الإنتقال، تحول مفهوم المناضل من قيمة أخلاقية إلى لقب تنظيمي، ومن هوية تاريخية إلى صفة بروتوكولية، الأمر الذي دفعنا إلى الحديث عن أزمة المعنى داخل الخطاب الحزبي المغربي.
ولعل الجدل الذي أثاره الكاتب والباحث المغربي إدريس الكنبوري في تدوينة له حول إستعمال بعض الأحزاب المغربية لمصطلح “المناضلين والمناضلات” يعكس هذه الإشكالية الفكرية. فبعيدا عن الأشخاص والأحزاب، يطرح هذا النقاش سؤالا داخل الحالة المغربية: من هو المناضل؟ ومن يملك حق منحه هذه الصفة؟ هل تمنحها الأحزاب، أم يمنحها التاريخ، أم تمنحها تضحيات الإنسان ومواقفه أم تمنحها الجماهير؟
إن هذا السؤال ليس جديدا في الفكر السياسي. فقد ميز عالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر بين من يعيش من أجل السياسة ومن يعيش من السياسة، فالأول يجعل السياسة رسالة أخلاقية ورسالة خدمة الوطن والمواطن، أما الثاني فيتعامل معها بإعتبارها مصدرا للمكانة والنفوذ والمصالح . ويبدو أن هذا التمييز في جزئه الثاني لا يزال يحتفظ بقيمته التفسيرية في تحليل كثير من الممارسات السياسية المشينة بحهة كلميم وادنون.
ومن زاوية أخرى ، فالنضال لا يقاس بعدد الإجتماعات أو المؤتمرات التي يعقدها هذا الحزب أو ذاك أو الشعارات التي ترفعها هذه الهيئة أو تلك ، وإنما بقدرة الفاعل الحزبي على إنتاج وعي جديد داخل المجتمع، ومقاومة الهيمنة، والدفاع عن المصالح الجماعية حتى عندما يكون ذلك مكلفا. فالمناضل، في الأدبيات السياسية العالمية ليس موظفا حزبيا، بل مثقف فاعل يرتبط بقضايا الناس أكثر من إرتباطه بمواقع السلطة.
وأعتقد أن السياسة تفقد معناها عندما تتحول إلى مجرد وسيلة إنتهازية للوصول إلى السلطة أو المواقع المتقدمة في هرمها، لأن غايتها الأصلية هي توسيع فضاء الحرية، وإشراك المواطنين في صناعة القرار. ومن ثم، فإن قيمة النضال لا تقاس بقرب صاحبه من السلطة، وإنما بمقدار إستقلاله عنها عندما تتعارض مع المبادئ.
إنطلاقاً من هذا القول،هل ما زال مفهوم “المناضل” يؤدي وظيفته الأخلاقية والسياسية في توجيه العمل الحزبي، أم أنه تحول إلى مجرد رأسمال رمزي تستثمره بعض الأحزاب بجهة كلميم وادنون في بناء شرعيتها السياسية؟
أولا، الفاعل الحزبي المناضل هو قيمة أخلاقية قبل أن يكون فاعلا سياسيا، ومع ذلك فإن أخطر ما أصاب العمل السياسي في جهتنا خاصة وبلادنا عامة ليس تراجع المشاركة السياسية، وإنما تراجع القيمة الأخلاقية للمفاهيم المؤسسة له. فالسياسة لا تبدأ بالانتخابات، بل تبدأ باللغة التي تعطي للممارسة معناها. وعندما تصبح الكلمات الكبرى، مثل التغيير والإصلاح ومحاربة البطالة والرفع من القدرة الشرائية للمواطن وغيرها، مجرد شعارات إنتخابية، فإنها تفقد قدرتها على توجيه السلوك العام.
وثانية، لقد كان لفظ “المناضل”، عبر التاريخ، يحمل حمولة رمزية ثقيلة ، ولم تكن مرادفا لعضوية حزب أو قرب من السلطة، بل كانت مرادفة لتحمل الكلفة دفاعا عن قضية عامة. ولهذا فإن فقدان هذه الدلالة الأخلاقية في المغرب لا يمثل مجرد تحول لغوي، بل يعكس تغيرا في طبيعة العمل السياسي نفسه، وإنتقاله من ثقافة الواجب إلى ثقافة الإمتياز، ومن منطق الرسالة إلى منطق المصلحة.
فالمناضل، في الفكر السياسي، هو من يضع المصلحة العامة فوق مصلحته الشخصية، ويقبل تحمل الخسارة دفاعا عن قيمة يؤمن بها. فليس كل من يمارس السياسة مناضلا، كما أن كل مناضل ليس بالضرورة سياسيا محترفا. أما إذا أصبح الإنتماء الحزبي طريقا إلى الإمتيازات، فإن مفهوم النضال يبدأ في التآكل تدريجيا.
وقد عبر الفيلسوف ألبير كامو عن هذه الفكرة بقوله:
“الإنسان المتمرد هو الذي يقول لا… لكنه لا يتوقف عند الرفض، بل يتحمل مسؤولية ما يقول.”
ولهذا فإن التاريخ لا يتذكر عدد المؤتمرات التي حضرها السياسيون، بل يتذكر اللحظات التي دفعوا فيها ثمن الدفاع عن الحقيقة. وهنا يمكن فهم الجدل الذي أثاره الكاتب والباحث إدريس الكنبوري بشأن استعمال وصف “المناضلين والمناضلات” في الخطاب الحزبي لأحزاب كانت محسوبة بالأمس القريب على السلطة. فالقضية، في جوهرها، أعتقد أنها لا تتعلق بحزب معين أو بأشخاص بعينهم، وإنما تتعلق بالسؤال التالي:
هل ما زالت كلمة “المناضل” تحيل على التضحية وخدمة الصالح العام، أم أنها أصبحت وصفا تنظيميا عاما؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تقوم على الإنطباعات أو المواقف الحزبية، بل على تقييم الممارسة السياسية نفسها.
فإذا كان المناضل هو من يدافع عن الشفافية، ويحارب الفساد، ويقبل المحاسبة، ويقترب من المواطنين، فإن هذه الصفات يمكن أن توجد داخل مختلف الأحزاب وخارجها.
أما إذا أصبح إستعمال الكلمة منفصلا عن الممارسة، فإنها تفقد تدريجيا رصيدها الأخلاقي، وتتحول إلى مجرد أداة للتعبئة والخطابة.
وختاما إن كلمة “المناضل” كانت في الذاكرة الإنسانية مرادفة للتضحية، والصدق، والاستقامة، وخدمة القضايا العادلة، لكنها قد تفقد بريقها عندما حولها البعض إلى لقب إداري أو أمتياز حزبي أو وسيلة لاكتساب الشرعية دون ممارسة تستحقها.
ولذلك، فإن القيمة الحقيقية للمناضل لا تقاس بما يملكه من نفوذ، ولا بعدد المناصب التي تقلدها، ولا بما يردده من شعارات، وإنما تقاس بما ضحى به من أجل وطنه، وبما حافظ عليه من نزاهة عندما إمتلك السلطة، وبقدرته على أن يبقى وفيا للمبدأ عندما تصبح المصلحة الشخصية أكثر إغراء.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالتاريخ لا يخلد الذين أطلقوا على أنفسهم لقب “المناضلين”، بل يخلد أولئك الذين شهدت أعمالهم بأنهم كانوا كذلك، حتى وإن لم يصفوا أنفسهم بهذا الوصف يوما.

سير على مولانا.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.