كليميم وادنون سياحيا.. وعود بمليارات الدراهم وبنية إيوائية تفضح فجوة الإنجاز
أزيد من 11.9 مليار درهم مرصودة لبرنامج التنمية الجهوية.. فأين نصيب السياحة بجهة كليميم وادنون من هذا الطموح؟
رغم ما تزخر به جهة كليميم وادنون من مؤهلات طبيعية وبيئية وثقافية وبشرية تؤهلها لتكون وجهة سياحية واعدة على الصعيد الوطني، لا تزال البنية التحتية للإيواء السياحي تعكس فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والواقع المسجل، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول نجاعة السياسات المعتمدة لتثمين هذه المؤهلات وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل.
وتزداد هذه التساؤلات إلحاحا عند استحضار برنامج التنمية الجهوية 2022-2027، الذي صادق عليه مجلس جهة كليميم وادنون بغلاف مالي إجمالي يناهز 11.9 مليار درهم، تساهم فيه الجهة بحوالي 4 مليارات درهم،وهو برنامج طموح يرتكز على خمسة محاور استراتيجية، من بينها تثمين التراث الثقافي، وتسويق المجال الترابي، وتحقيق التنمية المستدامة للمؤهلات الاقتصادية، وإحداث عرض سياحي بيئي ينسجم مع الخصوصيات الطبيعية للمنطقة.
وحسب المعطيات المقدمة عند عرض البرنامج، فقد جرى انتقاء 96 مشروعا من أصل 890 مشروعا مقترحا، ضمن رؤية تروم الاستدراك التنموي وتحسين البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، إلى جانب جعل الجهة قطبا للطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق ووجهة للسياحة المستدامة،كما جرى التعبير عن طموح بلوغ أكثر من 50 ألف منصب شغل في أفق 2035.
غير أن السؤال المطروح اليوم هو: إلى أي حد انعكست هذه الرؤية الاستراتيجية على واقع القطاع السياحي بالجهة نحن على مشراف نهاية الولاية الانتدابية لمجلس الجهة، ولا سيما على مستوى الاستثمار في وحدات الإيواء والرفع من الطاقة الاستيعابية واستقطاب الزوار؟
أرقام تثير المقارنة وتستدعي المساءلة
تكشف المعطيات المتداولة بشأن الوحدات السياحية المصنفة عن تفاوت لافت بين كليميم وادنون وباقي جهات الأقاليم الجنوبيةعلى حد المثال، إذ تتوفر الجهة وفق هذه المعطيات، على 52 وحدة مصنفة بطاقة إيوائية تقل عن 800 سرير، مقابل 56 وحدة مصنفة بجهة العيون الساقية الحمراء بطاقة تتجاوز 3500 سرير، فيما تتوفر جهة الداخلة وادي الذهب على حوالي 45 وحدة مصنفة بطاقة تناهز 2600 سرير.
وتضع هذه الأرقام، مع ضرورة التحقق من تاريخها ومصدرها وتحيينها، واقع السياحة بكلميم وادنون أمام اختبار حقيقي. فكيف يمكن لجهة تتوفر على شريط ساحلي مهم ومؤهلات طبيعية من بينها حامة أباينو وفضاء إيكلوجي غني،مؤهلات تراثية متنوعة أن تظل محدودة الطاقة الإيوائية مقارنة بجهات أخرى، رغم ما أُعلن عنه من برامج استثمارية ورهانات تنموية؟
وهل يعود هذا التفاوت إلى ضعف جاذبية الاستثمار السياحي، أم إلى محدودية التسويق الترابي، أم إلى غياب مشاريع مهيكلة قادرة على إحداث نقلة نوعية في العرض السياحي؟ ثم ما موقع المشاريع السياحية ضمن الحصيلة الفعلية لبرنامج التنمية الجهوية، وما حجم الاعتمادات التي رصدت لها، وما نسبة إنجازها على أرض الواقع؟
أين دور الشركة الجهوية للتنمية السياحية بوادنون رغم إحداثها؟
في خضم هذه التساؤلات، يبرز ملف الشركة الجهوية للتنمية السياحية بوادنون، باعتباره أحد المداخل التي تستدعي الوقوف عندها لتقييم تدبير ملف الاستثمار السياحي بالجهة.
فما الدور الذي تضطلع به الشركة في تنفيذ التوجهات السياحية المعلنة؟ وما حصيلة تدخلاتها في مجال إعداد المشاريع السياحية وتأهيل المواقع ذات الجاذبية وتحفيز الاستثمار الخاص؟ وهل تتوفر على برنامج عمل واضح ومشاريع محددة وآجال للتنفيذ، أم أن حضورها لم يترجم بعد إلى تحول ملموس في بنية العرض السياحي بالجهة؟
كما يطرح الأمر سؤال التنسيق بين الشركة ومجلس الجهة وباقي المؤسسات المتدخلة في القطاع: هل توجد رؤية موحدة تحدد الأولويات وتربط التمويل بالنتائج، أم أن تعدد المتدخلين يحد من سرعة الإنجاز وفعالية التدخلات؟
إن إثارة هذه الأسئلة لا تستهدف التقليل من أهمية البرامج المعلنة، بقدر ما تروم الانتقال من منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق قياس أثرها على أرض الواقع، من خلال نشر المعطيات المتعلقة بالميزانيات المرصودة، والمشاريع المبرمجة والمنجزة، ومناصب الشغل المحدثة، وحجم الاستثمار السياحي المستقطب.
من الوثائق المرجعية إلى النتائج الملموسة
لقد أكدت رئيسة مجلس جهة كلميم وادنون، مباركة بوعيدة، عند تقديم برنامج التنمية الجهوية، أن هذه الوثيقة أُعدت بناء على تشخيص لحاجيات الجهة، مع أخذ المشاريع المقترحة من طرف المصالح الخارجية والجماعات الترابية بعين الاعتبار. كما جرى التأكيد على طموح جعل كليميم وادنون وجهة للسياحة المستدامة، بالنظر إلى ما تزخر به من مؤهلات.
لكن نجاح أي برنامج تنموي لا يقاس بحجم غلافه المالي أو عدد محاوره ومشاريعه، وإنما بقدرته على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، وتحريك عجلة الاقتصاد، وخلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم المكون السياحي من برنامج التنمية الجهوية يظل ضرورة ملحة، خصوصا أن الفترة الممتدة إلى سنة 2027 تقترب من محطتها الأخيرة، ما يستدعي تقديم حصيلة واضحة للرأي العام حول ما تحقق وما تعثر، والأسباب التي حالت دون تنفيذ بعض الالتزامات.
فالسياحة بجهة كليميم وادنون لا تحتاج فقط إلى استحضار المؤهلات في الخطابات والوثائق الرسمية، بل إلى استثمارات فعلية، وبنيات إيوائية كافية، وتسويق ترابي فعال، ورؤية تربط الساحل بالواحات والمجالات الجبلية والموروث الثقافي المحلي.
ويبقى السؤال المطروح إذا كانت جهة كليميم وادنون قد وضعت برنامجا تنمويا بمليارات الدراهم، وجعلت السياحة المستدامة ضمن رهاناتها الاستراتيجية، فلماذا لا تزال طاقتها الإيوائية محدودة؟ وأين وصلت مشاريع الشركة الجهوية للتنمية السياحية بوادنون، وما الذي تحقق فعليا من الوعود المعلنة؟
أسئلة لا تستهدف التشكيك في الطموحات المعلنة، وإنما تطالب بإجابة حقيقية، وجعل التنمية السياحية معيارا للنتائج لا مجرد عنوان في البرامج.