هل يعاد ترتيب البيت الاستقلالي أم تطوى صفحة ميارة ؟
عـلـي الكــــوري
يشكل ما يجري داخل حزب الاستقلال وذراعه النقابي الاتحاد العام للشغالين بالمغرب لحظة سياسية دقيقة تستدعي قراءة متأنية بعيداً عن الأحكام الجاهزة. فالتطورات المرتبطة بوضعية النعمة ميارة لا يمكن اختزالها في سردية “الإطاحة” فقط، بقدر ما تعكس دينامية داخلية مركبة تتداخل فيها اعتبارات التنظيم، والتدبير، وإعادة ترتيب موازين القوة.
لقد كان صعود ميارة في سياق سياسي خاص، تميز بإعادة بناء التوازنات داخل الحزب بعد مرحلة حميد شباط، حيث برز كأحد الوجوه التي استفادت من لحظة إعادة الهيكلة. غير أن هذا الصعود، الذي ارتبط أيضا بدعم دوائر نافذة داخل الحزب، وضعه لاحقا أمام تحدي الانتقال من منطق التوافقات إلى منطق الأداء والنجاعة، وهو اختبار لا ينجح فيه الجميع بالضرورة.
في المقابل، فإن الانتقادات التي وجهت إلى تجربة ميارة، سواء داخل النقابة أو في تدبيره لمهامه المؤسساتية، تعكس جانبا من التوتر الطبيعي الذي تعيشه التنظيمات الكبرى عندما تتراكم الاختلالات أو تتضخم صورة “القرار الفردي”. ومع ذلك، يبقى من المهم التمييز بين النقد المشروع المرتبط بالتدبير، وبين محاولات توظيفه في سياق صراع مواقع قد يكون أوسع من الشخص المعني.
كما أن بروز ما يسمى بـ“الحركة التصحيحية” داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب يطرح بدوره أكثر من سؤال حول طبيعة هذا المسار: هل نحن أمام دينامية إصلاحية حقيقية تهدف إلى تقوية العمل النقابي، أم أمام إعادة تموقع لفاعلين يسعون إلى إعادة توزيع النفوذ داخل الجهاز النقابي؟ خاصة وأن انخراط الفريق البرلماني في هذا التوجه يمنح الأزمة بعدا سياسيا يتجاوز الإطار التنظيمي الضيق.
ولا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن التوازنات داخل الحزب، حيث يفهم أن المرحلة الحالية تشهد إعادة ترتيب للأدوار، في ظل حضور أسماء وازنة مثل نزار بركة ومحمد ولد الرشيد، وهو ما يعكس سعي الحزب إلى تدبير انتقالات داخلية بأقل كلفة ممكنة، مع الحفاظ على تماسكه المؤسساتي.
في المحصلة، تبدو وضعية ميارة اليوم أقرب إلى اختبار سياسي حقيقي: فإما أن يتمكن من إعادة بناء الثقة داخل محيطه التنظيمي عبر مراجعة أساليب التدبير والانفتاح على مكونات النقابة، أو أن تتجه الأمور نحو مرحلة جديدة عنوانها تداول الأدوار. وفي كلتا الحالتين، فإن ما يحدث يظل جزءاً من حركية طبيعية داخل تنظيمات حية، حيث لا شيء يحسم بشكل نهائي، بل يعاد تشكيله وفق موازين القوة والشرعية في كل مرحلة.

