الحرب على إيران وأزمة النظام الدولي
بقلم الاستاذ الباحث عبد اللطيف الصافي
تظهر الأزمة عندما يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد؛ وفي هذا الفراغ تظهر أعراض مرضية كثيرة
أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن –
يدخل العدوان الأمريكي الاسرائيلي على إيران أسبوعه الثالث، منذرا باستمرار الازمة و توسع رقعتها، أبعد مما تصوره ترامب وحليفه نتنياهو. وقد يجر منطقة الخليج و الشرق الاوسط عموما إلى لحظة مفصلية سمتها المزيد من الاضطراب و عدم الاستقرار.
فليست هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط. بل إنها تكشف، في عمقها، عن أزمة أوسع يعيشها النظام الدولي المعاصر. ففي اللحظة التي يتراجع فيها الخطاب القائم على الشرعية الدولية والقانون، تعود القوة العسكرية لتفرض نفسها بوصفها الأداة الأكثر حسماً في إدارة الصراعات بين الدول.
في هذا السياق، تساعدنا مقاربة المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي على فهم ما يجري. فغرامشي يرى أن الهيمنة في النظام الدولي لا تقوم فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على القدرة على بناء توافق سياسي وأخلاقي يضمن قبولاً أوسع للنظام القائم. لكن عندما يتآكل هذا التوافق، تلجأ القوى المهيمنة إلى القوة المباشرة للحفاظ على موقعها.
من هذا المنظور، يمكن قراءة الحرب على إيران بوصفها جزءاً من صراع أوسع يتعلق بميزان القوى في الشرق الأوسط وبمستقبل النظام الدولي نفسه. فالولايات المتحدة تسعى، من خلال أقوالها المعلنة، إلى منع إيران من التحول إلى قوة إقليمية تمتلك قدرات ردع استراتيجية، خصوصاً في المجال النووي والصاروخي. فامتلاك طهران لمثل هذه القدرات قد يحد من النفوذ الأمريكي في المنطقة ويغير قواعد
اللعبة الجيوسياسية فيها. أما إسرائيل، فتنظر إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر لأمنها. فإلى جانب البرنامج النووي الإيراني، تخشى تل أبيب من شبكة النفوذ التي بنتها طهران في عدد من ساحات الشرق الأوسط، وهو ما يمنحها قدرة فائقة على الضغط غير المباشر كلما اندلعت مواجهة واسعة.
في المقابل، فإن إيران لا تعتمد على مواجهة عسكرية تقليدية مباشرة مع خصوم يتفوقون عليها تكنولوجياً، بل طورت خلال العقود الماضية ، في ظل تحديات جمة و ظروف صعبة للغاية ، ما يسمى بسياسة الصبر الاستراتيجي والمعروفة باسم ” الاستراتيجية الفابية ” التي تقوم على ما يعرف بالحرب غير المتكافئة. وتشمل هذه الاستراتيجية محاولة تجنب خيار الحرب قدر الإمكان والتقدم خطوات إلى الأمام عبر تطوير القدرات الذاتية خاصة القدرة الصاروخية والمسيرات المتقدمة، إضافة إلى توسيع شبكة التحالفات الإقليمية التي تمنحها هامشاً أوسع للمناورة في حال اندلاع صراع كبير.
كما أن الموقع الجغرافي لإيران يمنحها أوراق قوة مهمة، خاصة في ما يتعلق بمضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. وأي اضطراب في هذا الممر الحيوي يمكن أن ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل الحرب ضد إيران قضية لا تخص المنطقة وحدها، بل تمتد آثارها إلى النظام الاقتصادي الدولي برمته.
لهذا السبب، فإن هذه المواجهة العسكرية التي تتوسع رقعتها يوما بعد يوم، لن تكون بالضرورة حرباً سريعة أو سهلة الحسم، بل قد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومعقدة، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية
والاقتصادية والجيوسياسية.
وعلى مستوى آخر، قد تؤدي هذه الحرب إلى تعميق الانقسام داخل النظام الدولي بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والقوى الصاعدة مثل روسيا والصين من جهة أخرى. فهذه القوى تنظر إلى مثل هذه الحروب بوصفها تعبيراً عن استمرار منطق الهيمنة في العلاقات الدولية، وتسعى في المقابل إلى الدفع نحو نظام عالمي أكثر تعددية في موازين القوة.
وبالنسبة للعالم العربي، فإن تداعيات هذه الحرب قد تكون عميقة ومباشرة في آن واحد. فالمنطقة تقع في قلب التوازنات الجيوسياسية المرتبطة بالصراع، سواء من حيث موقعها الاستراتيجي أو ارتباط اقتصاداتها بأسواق الطاقة العالمية. كما أن اتساع دائرة المواجهة قد يدفع عدداً من دول المنطقة إلى إعادة حساباتها الأمنية وتحالفاتها الإقليمية، في ظل احتمال تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة صراع مفتوح بين قوى دولية وإقليمية. وفي مثل هذه الظروف، تجد الدول العربية نفسها مرة أخرى أمام تحدي البحث عن موقع فاعل داخل نظام إقليمي شديد الاضطراب، بدل الاكتفاء بدور المتلقي لتداعيات صراعات القوى الكبرى.
في المحصلة، تكشف الحرب على إيران عن حقيقة أساسية في العلاقات الدولية المعاصرة: فالنظام الدولي ما زال محكوماً، في لحظات الأزمات الكبرى، بمنطق القوة أكثر مما تحكمه قواعد القانون الدولي أو مؤسسات الشرعية العالمية. ومع تصاعد التوترات بين القوى الكبرى وتنامي طموحات القوى الإقليمية، يبدو العالم وكأنه يدخل مرحلة انتقالية جديدة لم تتضح معالمها بعد.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، كما أشار غرامشي، يظهر الفراغ بين نظام يتراجع وآخر لم يولد بعد، ويظهر ما وصفه ب “زمن الوحوش” حيث تتفشى اعراض مرضية شتى تشمل الفوضى والتطرف واللايقين. إنها اللحظة المفصلية التي ستتحول معها منطقة الشرق الأوسط إلى مسرح مفتوح لصراعات تعيد رسم خرائط النفوذ وموازين القوة في العالم.
