ثورة الملك والشعب.. ملحمة وطنية خالدة جسدت تلاحم العرش والشعب في معركة الحرية والاستقلال
علي الكوري
يخلد الشعب المغربي يوم 20 غشت من كل سنة ذكرى ثورة الملك والشعب، باعتبارها واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال، وهي الملحمة التي جسدت بشكل واضح تلاحم المغاربة مع الملك محمد الخامس في مواجهة سلطات الحماية الفرنسية. وترتبط هذه الذكرى بشكل مباشر بقرار سلطات الحماية نفي السلطان محمد الخامس وولي عهده آنذاك، يوم 20 غشت 1953، في محاولة لضرب رمز السيادة الوطنية وفصل العرش عن الشعب، غير أن القرار الذي راهنت السلطات الاستعمارية على أن يكون وسيلة لإضعاف الحركة الوطنية، تحول إلى شرارة أطلقت مرحلة جديدة من المقاومة الشعبية والسياسية والمسلحة في مختلف ربوع المغرب.
وقبل عملية النفي، كانت المدن والقرى المغربية تعيش على وقع تصاعد الرفض الشعبي للسياسة الاستعمارية ومحاولات المساس بمكانة السلطان ودوره في الدفاع عن مصالح البلاد. وفي هذا السياق، شكلت انتفاضة وجدة يوم 16 غشت 1953، ثم انتفاضة تافوغالت يوم 17 غشت، محطتين بارزتين سبقتا نفي محمد الخامس بأيام قليلة، وأكدتا أن الغضب الشعبي لم يعد مقتصرا على النخب الوطنية، بل امتد إلى مختلف فئات المجتمع. وقد عرفت وجدة تحركا واسعا شارك فيه العمال والفلاحون والتجار والحرفيون والموظفون ومختلف الشرائح الاجتماعية، في تعبير جماعي عن رفض الوجود الاستعماري والدفاع عن السيادة الوطنية.

وجاء نفي السلطان محمد الخامس في 20 غشت 1953 ليشكل نقطة تحول حاسمة في مسار المقاومة المغربية، بعدما نقل الصراع من مرحلة المواجهة السياسية والاحتجاجات الوطنية إلى مرحلة أكثر اتساعا من المقاومة. فقد رفض المغاربة الاعتراف بالوضع الجديد الذي فرضته سلطات الحماية، وتمسكوا بشرعية السلطان محمد الخامس باعتباره رمزا للوحدة والسيادة الوطنية، بينما تحولت مختلف مناطق البلاد إلى فضاءات للاحتجاج والمواجهة. وهكذا، انقلبت حسابات الاستعمار، إذ لم يؤد إبعاد الملك عن شعبه إلى إضعاف المقاومة، بل ساهم في توسيعها وترسيخ الارتباط بين العرش والحركة الوطنية والمجتمع المغربي.
وتعددت أشكال المقاومة خلال هذه المرحلة، حيث شهدت المدن المغربية عمليات فدائية ومواجهات ضد المصالح والمنشآت المرتبطة بالاستعمار، كما برز عدد من المقاومين الذين أصبحوا رموزا للكفاح الوطني، وفي مقدمتهم محمد الزرقطوني وعلال بن عبد الله وغيرهما من رجال المقاومة الذين واجهوا سلطات الحماية في ظروف بالغة الصعوبة. ومع اتساع رقعة المواجهة، تطورت المقاومة المسلحة وتأسس جيش التحرير المغربي، الذي ساهم في توسيع دائرة الكفاح من أجل إنهاء الوجود الاستعماري واستعادة السيادة الوطنية.
ولم تكن المقاومة خلال هذه المرحلة مجرد رد فعل ظرفي على نفي الملك، بل تحولت إلى مسار وطني متكامل تداخلت فيه أشكال متعددة من النضال، من العمل السياسي والتعبئة الشعبية إلى المقاومة المسلحة والعمليات الفدائية. وقد ساهمت التضحيات الكبيرة التي قدمها المغاربة في استمرار الضغط على سلطات الحماية، وأثبتت أن محاولة فرض واقع سياسي جديد من خلال إبعاد السلطان لم تكن قادرة على فصل المغاربة عن قيادتهم الوطنية. كما كرست تلك المرحلة حقيقة أن قضية الاستقلال أصبحت مطلبا شعبيا واسعا، تتقاطع حوله مختلف الفئات والمناطق.
ومع استمرار المقاومة وتصاعد الضغط الداخلي والخارجي، بدأت سلطات الحماية تدرك صعوبة الاستمرار في سياسة فرض الأمر الواقع، خاصة مع تزايد الرفض الشعبي وتوسع المقاومة. وفي هذا السياق، عاد الملك محمد الخامس إلى أرض الوطن يوم 16 نونبر 1955، وسط استقبال شعبي كبير، لتشكل عودته لحظة تاريخية أنهت عمليا مرحلة النفي وفتحت الطريق أمام استكمال المفاوضات التي أفضت إلى استقلال المغرب سنة 1956. وكانت العودة تتويجا لمسار طويل من التضحيات والمقاومة التي جعلت من قضية السيادة والاستقلال مطلبا لا يمكن تجاوزه.

وتحمل ثورة الملك والشعب دلالات تاريخية عميقة، ليس فقط باعتبارها مواجهة ضد الاستعمار، وإنما باعتبارها نموذجا لتلاحم المغاربة حول قضية وطنية جامعة. فقد أظهرت أحداث غشت 1953 أن محاولة فصل الملك عن الشعب كانت نتيجتها عكسية، إذ تحولت واقعة النفي إلى عامل لتوحيد الصفوف وتقوية المقاومة وترسيخ الوعي الوطني. كما ظلت أسماء المقاومين والشهداء الذين قدموا تضحياتهم خلال تلك المرحلة جزءا من الذاكرة الوطنية، لما جسدوه من استعداد للدفاع عن استقلال البلاد ووحدتها وسيادتها.
ويجدد المغرب في 20 غشت من كل سنة استحضار هذه الملحمة الوطنية التي صنعت مرحلة مفصلية في تاريخ المملكة، واستطاع خلالها الشعب المغربي أن يحول لحظة صعبة إلى محطة للمقاومة والتعبئة وصولا إلى استعادة السيادة الوطنية. وتبقى ثورة الملك والشعب رمزا لتلاحم العرش والشعب، وذاكرة حية لتضحيات أجيال من المغاربة الذين واجهوا الاستعمار دفاعا عن الحرية والاستقلال، كما تشكل مناسبة لاستحضار مسار وطني امتد من انتفاضات غشت 1953 إلى عودة محمد الخامس ثم إعلان استقلال المغرب، في واحدة من أبرز صفحات التاريخ المغربي المعاصر.

