حوار خاص: مستشار الكونفدرالية الديمقراطية للشغل يتحدث عن واقعة حجب مداخلته ويدعو إلى ضمان حياد الإعلام البرلماني
علي الكوري رئيس التخرير
قبل الشروع في الحوار، يضع موقعنا بين أيدي قرائه هذا اللقاء الخاص مع المستشار البرلماني عن مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمجلس المستشارين، على خلفية الجدل الذي أثارته واقعة عدم توجيه كاميرا البث التلفزي المباشر نحو مداخلته خلال جلسة الأسئلة الشفوية، وهي الواقعة التي فتحت نقاشا واسعا حول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين مختلف المكونات البرلمانية في الاستفادة من البث العمومي، ودور الإعلام المؤسساتي في نقل أشغال البرلمان بكل حياد ومهنية. فقد تجاوز النقاش حدود الجانب التقني ليطرح تساؤلات أعمق بشأن ضمان حق الرأي العام في الاطلاع على مختلف المواقف والتدخلات داخل المؤسسة التشريعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأصوات المعارضة التي تضطلع بأدوار الرقابة والمساءلة.
وفي هذا الحوار، نتوقف مع المستشار البرلماني عند تفاصيل ما جرى، وخلفيات موقف مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل من هذه الواقعة، وما إذا كانت مجرد خطأ عابر أم امتدادا لما تعتبره المجموعة سلسلة من الممارسات التي تحد من حضورها داخل الفضاء المؤسساتي والإعلامي. كما نناقش معه انعكاسات هذا الجدل على صورة العمل البرلماني، وحدود العلاقة بين المعارضة والأغلبية داخل مجلس المستشارين، والضمانات الكفيلة بتأمين تغطية إعلامية منصفة لجميع المستشارين والمجموعات البرلمانية، بما يعزز الشفافية، ويحفظ حق المواطنين في متابعة النقاش العمومي والاطلاع على مختلف الآراء والمواقف داخل البرلمان
وفي هذا اللقاء، الذي حاوره الصحفي علي الكوري، رئيس تحرير الموقع، يجيب خليهنا الكرش المستشار البرلماني عن جملة من الأسئلة المرتبطة بهذه الواقعة، ويقدم قراءته لخلفياتها وانعكاساتها، كما يتطرق إلى واقع العلاقة بين المعارضة النقابية وباقي مكونات مجلس المستشارين، ويعرض رؤيته بشأن الإصلاحات والضمانات الكفيلة بتأمين تغطية إعلامية متوازنة ومحايدة، بما يعزز الشفافية ويصون حق المواطنين في متابعة النقاش العمومي والاطلاع على مختلف المواقف داخل البرلمان.
1 ) أثار عدم توجيه كاميرا البث نحو مداخلتكم خلال جلسة الأسئلة الشفوية جدلا واسعا، برأيكم هل يتعلق الأمر بخطأ تقني عابر أم بممارسة تحمل أبعادا سياسية، وما المعطيات التي تستندون إليها في هذا التقدير ؟
أكد المستشار خليهن الكرش أن ما أثار الجدل خلال جلسة الأسئلة الشفوية لم يكن حرصه على الظهور في شاشة البث، وإنما ما اعتبره خروجا عن الأعراف البرلمانية والإعلامية المعمول بها منذ سنوات داخل مجلسي البرلمان. وأوضح أن الكاميرا، وفق الممارسة المعتادة، تتوجه تلقائيا إلى البرلماني أثناء طرحه للسؤال، بغض النظر عن انتمائه للأغلبية أو المعارضة، مشيرا إلى أن عدم توجيهها نحوه شكل الاستثناء الوحيد خلال الجلسة، وهو ما لم ينتبه إليه إلا بعد تنبيه من زميلته المستشارة فاطمة زوغا، في وقت استمرت فيه الكاميرا بتغطية باقي المتدخلين قبل مداخلته وبعدها وفق النهج المعتاد.
وأضاف الكرش أن ما وقع لا يمكن فصله، بحسب تقديره، عن الأجواء التي أعقبت احتجاج عدد من مستشاري المعارضة بحمل شارات حمراء تنديدا بما وصفه بالتضييق الذي تعرضوا له بعد مواقفهم من ملفات من بينها قانون تسقيف المحروقات وملف شركة “سامير”. واعتبر أن هذه الواقعة تندرج ضمن ممارسات انتقامية تمس بصورة المؤسسة البرلمانية والتجربة الديمقراطية المغربية، معتبرا أن الإعلام العمومي مطالب بالالتزام بالحياد والموضوعية ونقل مجريات الجلسات كما هي، باعتباره ممولا من المال العام ويؤدي خدمة موجهة إلى جميع المواطنين.
وشدد المستشار على أنه لا يسعى إلى الظهور الإعلامي أو تحقيق أي مكاسب شخصية من خلال الكاميرا، نافيا أن يكون هدفه البحث عن “البوز” أو المزايدة السياسية. وأكد أن اهتمامه ينصب على أداء مهامه الرقابية والتشريعية والدفاع عن قضايا المواطنين بكل مسؤولية، معتبرا أن نقل الوقائع البرلمانية بمهنية وشفافية يظل حقا للرأي العام وركيزة أساسية لترسيخ الثقة في المؤسسات الديمقراطية.
2) ربطتم هذه الواقعة بما وصفتموه بسلسلة من الممارسات التضييقية التي طالت مجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ما أبرز المؤشرات التي تجعلكم تعتبرون أن الأمر يتجاوز حادثا معزولا إلى نهج متكرر ؟
اعتبر المستشار البرلماني أن ما جرى خلال جلسة الأسئلة الشفوية لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع، مؤكدا أن واقعة عدم توجيه كاميرا البث نحوه تندرج، بحسب تعبيره، ضمن سلسلة من الإجراءات التي أعقبت جلسة 16 يونيو، والتي شهدت إسقاط مقترحي قانون يتعلقان بتسقيف وتنظيم أسعار المحروقات، وتفويت أصول شركة سامير للدولة. وأوضح أن تلك الجلسة أحدثت، وفق تقديره، نقاشا عموميا واسعا وارتدادات سياسية وشعبية دفعت أحزاب الأغلبية الحكومية إلى إصدار بيانات توضيحية، معتبرا أن المقترحين، رغم إسقاطهما داخل المؤسسة التشريعية، لامسا انشغالات المواطنين المرتبطة بارتفاع أسعار المحروقات وانعكاساتها على القدرة الشرائية وأسعار مختلف المواد الاستهلاكية، وهو ما جعل القضية، بحسب قوله، تتحول إلى مطلب شعبي يتجاوز أسوار البرلمان.
وأضاف أن ما يعتبره “إجراءات انتقامية” لم يقتصر على واقعة البث التلفزي، بل شمل، بحسب روايته، مجموعة من التدابير التي استهدفته إلى جانب المستشارة فاطمة زوكار، على خلفية تقديمهما المقترحين المذكورين. وقال إن هذه الإجراءات تمس، في نظره، جوهر الممارسة الديمقراطية والحقوق الدستورية للبرلمانيين، مشيرا إلى منعهم من استغلال قاعات المجلس لتنظيم يوم دراسي، ورفض تسلم طلباتهم ومراسلاتهم، وهو ما اعتبره محاولة للتضييق على آليات اشتغالهم والتعتيم على المبادرات التي يقومون بها داخل المؤسسة التشريعية، بما ينعكس سلباً على قدرتهم في أداء مهامهم الرقابية والتشريعية.
وختم بالتأكيد على أن استمرار هذه الممارسات، وفق وصفه، قد يدفعهم إلى اتخاذ خطوات سياسية تصعيدية خلال المرحلة المقبلة، إذا لم يتم التراجع عنها. وأوضح أنهم لا يمكن أن يستمروا، حسب تعبيره، في ممارسة مهامهم البرلمانية في ظل ما وصفه بحالة التضييق، ولا أن يكونوا عاجزين عن الدفاع عن قضايا الوطن والمواطنين من داخل مجلس المستشارين، مضيفا أنهم يرفضون الاستمرار في وضع يتقاضون فيه أجورهم دون تمكينهم من أداء واجباتهم الدستورية، مشيراً إلى أن أي قرار محتمل سيتم الإعلان عنه في الوقت المناسب، وقد يكون، بحسب قوله، ذا صدى سياسي كبير.
3) يرى البعض أن الاحتجاج انصب على مسألة الظهور في الشاشة، بينما تؤكدون أن القضية مرتبطة بحق المستشارين في نقل مواقفهم للرأي العام، كيف تفسرون هذا الفرق في قراءة ما وقع ؟
أكد المستشار البرلماني، في جوابه عن السؤال الثالث، أن الفيديو المتداول يوثق مجريات الواقعة بشكل واضح ولا يترك، بحسب تعبيره، مجالا للتأويل أو التبرير، معتبرا أن كل مواطن يشاهده يستطيع تكوين رأيه استنادا إلى ما يظهره من تسلسل للأحداث منذ بدايتها إلى نهايتها. وأضاف أن ما وثقه التسجيل، في نظره، يؤكد وجود استهداف مباشر له، ومحاولة للتعتيم على الشكل الاحتجاجي السلمي الذي خاضه داخل مجلس المستشارين، احتجاجا على ما وصفه بحالة التضييق التي بدأت، حسب قوله، عقب جلسة 16 يونيو، التي شهدت إسقاط مقترحي القانون المتعلقين بتنظيم أسعار المحروقات وتفويت أصول شركة سامير للدولة، وما خلفه ذلك من تفاعل سياسي وشعبي واسع.
وانتقد المستشار ما اعتبره محاولات بعض المنابر الإعلامية لتقديم رواية مغايرة لما يظهره الفيديو، متهما إياها بالسعي إلى تمرير مغالطات للرأي العام، ومؤكدا أن الوقائع المصورة تبقى، وفق تعبيره، أبلغ من أي تبريرات أو تأويلات. وفي المقابل، شدد على أن انتقاداته لا تستهدف الجسم الإعلامي ككل، بل تقتصر على جهات محددة، مبرزا أن عددا كبيرا من الصحفيين والإعلاميين يمارسون مهنتهم بكل حياد واستقلالية ومهنية، وينقلون الخبر والرأي والرأي الآخر وفق الضوابط المهنية وأخلاقيات العمل الصحفي.
وختم بالتأكيد على أن الإعلام ليس مطالبا بتلميع صورة أي مسؤول أو فاعل سياسي أو نقابي، بل بنقل الحقيقة كما هي، سواء كانت في صالحه أو ضده. وأضاف أن الإعلام، بصفته سلطة رابعة، مطالب بممارسة دوره باستقلالية عن مختلف السلط، ومراقبة أدائها ونقل نبض الشارع بكل موضوعية، معتبرا أن المطلوب هو الاحتكام إلى الوقائع والحقائق، بحيث إذا أخطأ أي مسؤول يجب أن يقال إنه أخطأ، وإذا أصاب يجب الإقرار بذلك، دون انحياز أو توظيف سياسي.
4) إلى أي حد تعكس هذه الواقعة، من وجهة نظركم، طبيعة العلاقة بين المعارضة النقابية ومختلف مكونات مجلس المستشارين، وهل هناك حاجة إلى مراجعة آليات ضمان تكافؤ الفرص داخل المؤسسة التشريعية ؟
أكد المستشار البرلماني، أن الإشكال المطروح لا يتعلق بغياب نصوص قانونية جديدة، وإنما بعدم احترام وتفعيل المقتضيات الدستورية والتنظيمية القائمة. وأوضح أن الدستور المغربي حسم بشكل واضح في تنظيم حقوق الأغلبية والمعارضة، كما حدد العلاقة بين المؤسسات الدستورية وآليات اشتغالها، مشيراً إلى أن النظام الداخلي لمجلس المستشارين يتضمن بدوره مختلف المساطر المنظمة لتدبير الجلسات واللجان الدائمة ومشاريع القوانين ومقترحات القوانين، فضلاً عن تنظيم العلاقات بين مختلف مكونات المجلس، وهو ما يجعل، بحسب تعبيره، كل الآليات القانونية متوفرة ولا تحتاج سوى إلى التطبيق السليم.
وأضاف أن ما يجري داخل مجلس المستشارين اليوم، وفق تقديره، يتمثل في تجاوز النظام الداخلي وعدم الاحتكام إلى مقتضياته، معتبراً أن المؤسسة أصبحت تشتغل، على حد وصفه، خارج إطار القانون، الأمر الذي يفتح المجال أمام منطق تغليب موازين القوة بدل الاحتكام إلى القواعد المنظمة للعمل البرلماني. وشدد على أن المؤسسة التشريعية، باعتبارها الجهة التي تسن القوانين المنظمة لمؤسسات الدولة وللحياة العامة، يفترض أن تكون أول من يحترم قوانينه الداخلية ويطبقها، مؤكداً أن تفعيل النظام الداخلي كفيل بمعالجة مختلف الإشكالات التي قد تنشأ بين الأغلبية والمعارضة، دون الحاجة إلى أي تعديلات أو تدخلات إضافية.
واعتبر المستشار أن الدستور، ولاسيما الفصل العاشر، يكفل حقوق المعارضة البرلمانية، كما يضمن النظام الداخلي حقوق جميع المكونات والحساسيات السياسية داخل المجلس، غير أن تعطيل هذه المقتضيات، بحسب قوله، يؤدي إلى تغول الأغلبية الحكومية ويقوض الثقة في المؤسسات المنتخبة. وحذر من أن استمرار هذا الوضع قد ينعكس سلباً على المشاركة السياسية، من خلال تعميق عزوف المواطنين، وخاصة الشباب، عن الانخراط في العمل السياسي، مؤكداً أن المؤسسة التمثيلية مطالبة بأن تكون فضاءً لاحترام القانون، وتجسيد الإرادة الشعبية، وإنتاج نقاش سياسي مسؤول ورصين يفضي إلى تشريعات تخدم مصلحة الوطن والمواطن
5) بعد هذا الجدل، ما هي الإجراءات أو الضمانات التي ترون أنها كفيلة بتأمين تغطية إعلامية متوازنة ومحايدة لجميع المستشارين والمجموعات البرلمانية، بما يحفظ حق المواطنين في متابعة النقاش العمومي بكل شفافية ؟
اضاف المستشار البرلماني أن الجهة المكلفة بتغطية جلسات مجلس المستشارين هي التلفزة المغربية باعتبارها مؤسسة إعلامية عمومية تمول من المال العام، وبالتالي فهي، بحسب تعبيره، مطالبة بالالتزام بقواعد المهنة وأخلاقيات العمل الصحفي، وضمان تغطية متوازنة ومحايدة تعكس مجريات الجلسات دون تمييز بين مختلف المتدخلين. واعتبر أن دور الإعلام العمومي يجب أن يظل مهنياً ومستقلاً، بعيداً عن الاصطفاف أو الانخراط في أي تجاذب أو صراع سياسي داخل المؤسسة التشريعية.
وأضاف أن دستور سنة 2011 أرسى، وفق قوله، تحولات مهمة في البناء الديمقراطي بالمغرب، من خلال تنظيم العلاقة بين المؤسسات، وترسيخ مبدأ فصل السلط، وإقرار مكانة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، إلى جانب تكريس حقوق المعارضة البرلمانية وتمكينها من ممارسة أدوارها الدستورية. كما أشار إلى أن النظام الداخلي لمجلس المستشارين، باعتباره قانوناً تنظيمياً يخضع لمراقبة المحكمة الدستورية، يحدد بدقة قواعد اشتغال المجلس وحقوق مختلف مكوناته، وهو ما يفرض احترام مقتضياته من قبل جميع الأطراف.
وشدد المستشار على أن الإعلام العمومي مطالب بأن يكون فضاءً يعكس التعددية السياسية والنقابية داخل مجلس المستشارين، وأن يتيح للمواطنين الاطلاع على مختلف الآراء والمواقف بكل حياد ومهنية. وأوضح أن جميع الحساسيات السياسية والنقابية الممثلة داخل المجلس تنتمي إلى المشهد الوطني وتسعى، كل من موقعها، إلى خدمة المصلحة العامة، الأمر الذي يقتضي، بحسب تعبيره، توفير تغطية إعلامية منصفة تضمن الإنصات إلى الجميع وتعزز الثقة في المؤسسات وفي الممارسة الديمقراطية
وفي ختام هذه الأجوبة، جدد المستشار البرلماني التأكيد على أن ما يطرحه لا يتعلق بخلاف شخصي أو سياسي عابر، وإنما بقضية ترتبط، بحسب تعبيره، باحترام الدستور والنظام الداخلي لمجلس المستشارين، وضمان حقوق المعارضة وصون المبادئ الديمقراطية داخل المؤسسة التشريعية. كما شدد على أن احترام القانون، وتكافؤ الفرص بين مختلف المكونات السياسية، وضمان حياد الإعلام العمومي، تشكل جميعها ركائز أساسية لتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ الممارسة الديمقراطية، معتبراً أن أي إخلال بهذه المبادئ من شأنه أن ينعكس سلباً على صورة العمل البرلماني وعلى علاقة المواطنين بالمؤسسات المنتخبة، ومؤكداً في المقابل تمسكه بمواصلة الدفاع عن القضايا التي يعتبرها مرتبطة بمصالح المواطنين، في إطار ما يكفله الدستور والقوانين الجاري بها العمل.

