Sagyanews
جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
معرض تربي ماشية
اطلس

يفكك الزبونية الانتخابية بالمغرب… إصدار جديد يرصد كواليس التأثير الخفي على صناديق الاقتراع

علـــي الكــــوري

يقدم كتاب جديد صدر عن مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث للباحث عبد الإله سطي، بعنوان “الزبونية الانتخابية في المغرب: كيف يقوض شراء الأصوات والولاءات التحتية أسس التمثيلية السياسية”، قراءة علمية جريئة في واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل داخل المشهد السياسي المغربي، واضعا القارئ أمام تحليل عميق لما يجري خلف واجهة الانتخابات الرسمية.

يرصد هذا العمل التحولات التي عرفها السلوك الانتخابي بالمغرب، في سياق تزايد الاهتمام الأكاديمي بدراسة محدداته، حيث لا يكتفي الباحث بتوصيف الظاهرة، بل يتوغل في بنيتها السوسيولوجية، كاشفا عن الأدوار غير المعلنة التي تلعبها شبكات النفوذ والعلاقات الاجتماعية في توجيه اختيارات الناخبين.

يكشف الكتاب أن العملية الانتخابية، رغم طابعها المؤسساتي، لا تخضع فقط لمنطق البرامج السياسية والتنافس الحزبي، بل تتداخل فيها بقوة اعتبارات أخرى، من بينها الروابط العائلية والقبلية، ونفوذ الأعيان، ما يجعل الانتخابات في كثير من الأحيان أقرب إلى فضاء لتبادل المنافع بدل كونها لحظة ديمقراطية خالصة.

يعرض الباحث من خلال معطيات ميدانية دقيقة كيف تتحول الحملات الانتخابية إلى قنوات غير رسمية لاستقطاب الأصوات، عبر تقديم خدمات أو وعود أو حتى شراء مباشر للأصوات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مصداقية العملية الانتخابية وطبيعة النتائج التي تفرزها.

يستند هذا العمل إلى بحث ميداني طويل امتد لأكثر من أربع سنوات، اعتمد فيه الباحث على منهجية مزدوجة تجمع بين التحليل الكمي والكيفي، عبر استبيانات ومقابلات معمقة وملاحظات ميدانية، ما أتاح له الاقتراب من الواقع الانتخابي في تفاصيله الدقيقة بعيداً عن التفسيرات الجاهزة.

يوضح الكتاب أن إنجاز هذا البحث لم يكن مسارا سهلا ، بل واجه فريق العمل صعوبات متعددة، من أبرزها صعوبة الولوج إلى مجتمع البحث، ووجود حواجز نفسية واجتماعية لدى المشاركين، دفعت بعضهم إلى التحفظ أو تقديم معطيات متناقضة، بل ورفض آخرين المشاركة.

يسجل الباحث أنه اضطر إلى إلغاء نسبة مهمة من الاستمارات بسبب ضعف مصداقيتها، ما فرض عليه ابتكار آليات جديدة لبناء الثقة مع المستجوبين، وإعادة صياغة أدوات البحث بشكل مستمر، في محاولة لضمان حد أدنى من الدقة العلمية.

يبرز العمل أن الميدان الانتخابي الحقيقي لا يوجد في الواجهة الرسمية، بل في الكواليس حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الولاءات، وحيث تتحول الانتخابات إلى ما يشبه سوقا غير معلنة لتبادل الخدمات والمنافع، في غياب رقابة فعالة.

يعالج الكتاب من خلال مقاربته المنهجية ثلاث قضايا مركزية، تتعلق بقياس مدى انتشار الزبونية الانتخابية، وتحديد أسبابها، ثم تحليل آثارها على المؤسسات التمثيلية، في محاولة لفهم أعمق لواقع الممارسة الديمقراطية بالمغرب.

يؤكد الباحث أن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى إضعاف العلاقة بين الناخب والبرنامج السياسي، ويعزز منطق الولاء الشخصي والوساطة، ما ينعكس سلبا على أداء المؤسسات المنتخبة وعلى جودة التمثيلية السياسية.

يطرح العمل في المقابل تساؤلات جوهرية حول حدود الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، ومدى قدرتها على الحد من هذه الظاهرة، في ظل تجذرها داخل البنيات الاجتماعية والثقافية، ما يجعل معالجتها رهينة بإرادة جماعية تتجاوز الإطار القانوني.

يختتم هذا الإصدار بفتح نقاش علمي واسع حول مستقبل الديمقراطية التمثيلية في المغرب، داعيا إلى إعادة التفكير في شروط الممارسة الانتخابية، والانتقال نحو نموذج قائم على البرامج والمساءلة بدل المصالح الضيقة، في أفق بناء ثقة حقيقية بين المواطن والمؤسسات.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.