العسري محمد ولد إسماعيل… بورتريه ضابط من جيل الملاحم الوطنية
في الذاكرة الوطنية لجنوب المغرب، وتحديدا بإقليم آسا الزاك، يبرز اسم الضابط السامي المجاهد العسري محمد ولد إسماعيل ولد عبلا ولد مسعود ولد العسري كأحد رموز جيل صنع التاريخ في صمت، وراكم مسارًا نضاليًا ومهنيًا امتزجت فيه المقاومة بالانضباط العسكري، والبطولة بالفعل لا بالشعار.
ولد سنة 1937 في وسط قبلي محافظ تشرب قيم الفروسية والوفاء والانتماء، فكان من أوائل الشباب الذين لبوا نداء الوطن، حيث التحق سنة 1956 بصفوف جيش التحرير، مؤمنا بأن الاستقلال لا ينال إلا بالتضحية،خاض إلى جانب رفاقه معارك غير متكافئة ضد الاستعمارين الفرنسي والإسباني، بأسلحة بسيطة وإرادة صلبة، في مواجهة قوى عسكرية متفوقة جوا وبرا، وسجلوا ملاحم اعترف بها الخصوم قبل الحلفاء.
ومع بزوغ فجر الدولة الوطنية، لبى سنة 1959 النداء الملكي، فالتحق بـ القوات المسلحة الملكية، واضعا خبرته الميدانية في خدمة الوطن، بدأ مساره بثكنة هرمومو، قبل أن ينتقل بين عدد من المواقع العسكرية الاستراتيجية، من كليميم إلى آيت باعمران ثم الطرفاية، حيث شارك في مهام ميدانية حساسة مرتبطة بحماية الوحدة الترابية. وفي سنة 1989، انتقل من وحدات الكولونيل ماجور الراحل إيدا ولد التامك إلى قطاع المسامير (دوزيم ريم)، مواصلًا أداءه العسكري بنفس الروح والانضباط.
وبفضل التزامه الصارم، وشجاعته الميدانية، وروح القيادة التي تحلّى بها، تدرّج في الرتب إلى أن بلغ رتبة كمندار (رائد)، وهو مسار يعكس ثقة المؤسسة العسكرية في كفاءته ونزاهته. وقد ارتبط اسمه بعدد من المعارك خلال حرب الصحراء، من بينها معركة لبيرات (1976–1977)، حيث يشهد له رفاق السلاح بالتفاني، والوفاء، وحسن التدبير في أحلك الظروف.
ولم يكن حضوره مقتصرا على الميدان العسكري، بل امتد إلى محيطه الاجتماعي والإنساني، حيث عُرف بغيرته الصادقة على مكوّنه الثقافي، واعتزازه بهويته، وحرصه الدائم على ربط الماضي بالحاضر. كما تميّز بدور إنساني نبيل في لمّ الشمل وإصلاح ذات البين، وتقوية روابط المحبة والتواصل بين أبناء جلدته، مؤمنا بأن السلم الاجتماعي لا يقل أهمية عن الانتصار في ساحات القتال.
ويجمع من عرفوا الضابط العسري محمد ولد إسماعيل على صرامته في الحق، ووضوحه في المواقف، وصدقه في القول والعمل، وهي خصال لا تتأتى إلا لرجال تشبعوا بقيم الإيمان والمسؤولية، ولا يخشون إلا الله.
إن هذا البورتريه لا يختزل مسار رجل فحسب، بل يستحضر سيرة جيل كامل من المقاومين والجنود الأشاوس الذين حملوا السلاح دفاعًا عن الوطن، ثم حملوا الأمانة في بناء مؤسساته. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى توثيق الرواية الشفوية لهذا الضابط وأمثاله من شهود العصر، حفاظًا على الذاكرة الوطنية، وصونًا لتاريخ جهادي ونضالي وإنساني يشكّل ركيزة الهوية المغربية.
يبقى العسري محمد ولد إسماعيل ولد عبلا ولد مسعود ولد العسري اسما محفورا في الذاكرة المحلية والوطنية، ورمزا للوفاء والتضحية، يستحق الاعتراف والتقدير وهو على قيد الحياة، ليظل مصدر إلهام للأجيال الصاعدة، وشاهدا حيا على تاريخ لا يكتب إلا بصدق الرجال إسوةبباقي المجاهدين الأوفياء للعرش العلوي المجيد، ولا سيما من أبناء الصحراء المغربية، يبقى هذا الجيل شاهدا حيّا على بطولات وملاحم خالدة صنعت أمجاد المقاومة وجهاد الدفاع عن الوطن. جيل منهم من لبى نداء ربه ورحل تاركا أثره في سجل التاريخ، ومنهم من لا يزال بيننا حاملًا ذاكرة النضال، وناقلًا لشهادات صادقة عن مرحلة مفصلية من تاريخ الصحراء المغربية، بما يفرض واجب الاعتراف والتوثيق وصون هذه الذاكرة الوطنية من النسيان.

