جدل «دار الضيافة» بالعيون.. هل تتحمل السلطات مسؤولية حماية تكافؤ الفرص الانتخابية؟
علي الكوري
يتواصل الجدل بمدينة العيون بشأن استعمال «دار الضيافة» التابعة للجماعة الترابية، في سياق لقاءات وتحركات تجري بالتزامن مع الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية، بعدما عادت صور استقبال وفود داخل هذا المرفق إلى الواجهة، لتطرح من جديد سؤالاً أساسياً حول حدود استعمال الممتلكات الجماعية خلال فترة يفترض أن يسود فيها الحياد الكامل وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين.
ويكتسي هذا النقاش طابعاً قانونياً واضحاً، بالنظر إلى مقتضيات المادة 40 من القانون التنظيمي رقم 59.11، التي تمنع تسخير الوسائل أو الأدوات المملوكة للهيئات العامة والجماعات الترابية في الحملة الانتخابية للمترشحين بأي شكل من الأشكال، مع استثناء أماكن التجمعات التي تضعها الدولة أو الجماعات الترابية رهن إشارة المترشحين أو الأحزاب السياسية على قدم المساواة. وهو مقتضى يجعل طبيعة المرفق وكيفية استعماله والغاية من الاستعمال عناصر حاسمة في تقييم أي حالة معروضة.
وتزداد حساسية القضية عندما يتعلق الأمر بمرفق تابع لجماعة ترابية ويستعمل، بحسب المعطيات المتداولة، في استقبال فعاليات ووفود في سياق انتخابي. فالمسألة لا تتعلق بمجرد استقبال عابر، وإنما بضرورة التحقق مما إذا كان هذا الفضاء متاحا لجميع المتنافسين بالشروط نفسها، أم أن استعماله يتم لفائدة طرف سياسي دون غيره، لأن مبدأ تكافؤ الفرص لا ينسجم مع أي امتياز مرتبط بموارد أو ممتلكات عمومية.
ولا تقف خطورة الموضوع عند حدود الجدل السياسي أو الإعلامي، إذ إن المادة 47 من القانون التنظيمي ذاته تنص على عقوبات حبسية ومالية في حق كل شخص يقوم بتسخير الوسائل أو الأدوات المشار إليها في المادة 40. ولذلك فإن أي حديث عن مخالفة محتملة يستوجب، قبل إصدار الأحكام، فتح تحقيق إداري وقانوني جدي يحدد طبيعة اللقاءات، والصفة التي انعقدت بها، والجهة التي سمحت باستعمال المرفق، ومدى استفادة باقي المتنافسين من الحق نفسه.
وفي ظل هذه المعطيات، تصبح مسؤولية السلطات المحلية في العيون موضع مساءلة سياسية وإدارية، وعلى رأسها والي جهة العيون الساقية الحمراء، عبد السلام بكرات، باعتباره ممثلا للسلطة المركزية ومكلفا بالسهر على احترام القوانين وضمان حسن سير المرافق والمؤسسات. فالصمت أمام وقائع تثير، على الأقل، أسئلة مشروعة حول الحياد الانتخابي قد يُفهم لدى الرأي العام باعتباره ضعفاً في الرقابة، حتى وإن لم تثبت في النهاية أية مخالفة قانونية.
المطلوب من الوالي، في هذه الحالة، ليس الانحياز إلى أي طرف أو التدخل في المنافسة الانتخابية، وإنما ممارسة الرقابة بالصرامة نفسها تجاه الجميع. فإذا كان استعمال «دار الضيافة» مشروعا ومتاحا وفق ضوابط محددة، فالمطلوب توضيح هذه الضوابط للرأي العام، وإذا كان استعمالها يكتسي طابعاً انتخابياً لفائدة جهة محددة، فإن واجب الإدارة يقتضي التحقق واتخاذ ما يلزم وفق القانون.
كما أن استمرار تداول هذه المعطيات دون توضيح رسمي يضعف الثقة في قدرة الإدارة على ضمان شروط المنافسة المتكافئة، خصوصا في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، حيث تصبح كل موارد أو فضاءات يمكن أن تمنح أفضلية انتخابية محل تدقيق ومساءلة. فالرقابة الانتخابية لا ينبغي أن تبدأ بعد وقوع الضرر، بل يفترض أن تكون استباقية لمنع أي ممارسة قد تؤثر في صورة النزاهة والحياد.
وبالتالي، فإن الكرة اليوم توجد في ملعب السلطات المختصة، وعلى رأسها وزارة الداخلية، التي يفترض أن تتعامل مع هذا الملف بالجدية نفسها التي تتعامل بها مع باقي مظاهر الحملة الانتخابية. والتحقق من وضعية «دار الضيافة» لا يحتاج إلى سجال سياسي، وإنما إلى جواب إداري واضح: هل يتعلق الأمر بمرفق مفتوح أمام جميع المتنافسين على قدم المساواة، أم باستعمال خاص لمرفق جماعي خلال الحملة الانتخابية؟
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه القضايا ليس فقط وقوع مخالفة محتملة، وإنما استمرار الشك دون توضيح أو رقابة. فالانتخابات تُبنى على الثقة قبل النتائج، وأي شعور بوجود تفاوت في استعمال الإمكانيات العمومية قد يضر بصورة الاستحقاق بأكمله. لذلك، فإن مسؤولية والي الجهة والسلطات المختصة تقتضي فتح باب التحقق، وتوضيح الوقائع، وضمان تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لأن حياد الإدارة ليس شعاراً انتخابياً، بل التزام قانوني ومؤسساتي.