تصاعد مقلق لجرائم الشارع بكلميم يفتح النقاش حول الأمن وأسباب الانفلات.
الساقية نيوز علي الكوري
بدأت في الآونة الأخيرة مظاهر السرقة و”الكريساج” تفرض نفسها بقوة في عدد من شوارع وأزقة مدينة كلميم، في مشهد بات يثير قلقا متزايدا في صفوف الساكنة ويغذي نقاشا واسعا حول الإحساس بالأمن داخل الفضاء العام. فقد تعددت، بحسب ما يتم تداوله محليا، حالات استهداف الدراجات النارية والهوائية والهواتف المحمولة، إلى جانب تسجيل اعتداءات متفرقة مرتبطة بسرقة المارة أو سلبهم ممتلكاتهم، وهو ما جعل هذه الظاهرة تتحول من وقائع معزولة إلى موضوع يومي حاضر في أحاديث المواطنين وعلى منصات التواصل.
وبين من يربط هذا الوضع بتنامي بعض الهشاشات الاجتماعية والاقتصادية، ومن يعتبر أن الظاهرة تطرح أيضا أسئلة ملحة حول نجاعة الحضور الأمني وفعالية الدوريات بمختلف أحياء المدينة، يبرز مطلب جماعي يدعو إلى مقاربة شاملة لا تقتصر فقط على الجانب الزجري، بل تشمل كذلك الوقاية والتأطير وإعادة الاعتبار للأمن المجتمعي. ويأتي هذا النقاش في ظل تزايد المخاوف بعد عدد من الحوادث التي خلفت استياء واسعا، ولعل آخرها ما تعرض له أحد أفراد القوات المساعدة بالمدينة، في واقعة أعادت إلى الواجهة الحاجة إلى تدخل عاجل ومسؤول من مختلف المتدخلين لمحاصرة هذه السلوكيات الإجرامية والحد من امتداداتها.
ومن خلال أسئلة وجهناها إلى الدكتور حيروش امبارك، أستاذ مكون بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة كلميم وادنون، اعتبر أن تنامي السرقات العنيفة أو ما يصطلح عليه محلياً بـ”الكريساج” في مدينة كلميم لا يمكن قراءته فقط باعتباره سلوكا إجراميا معزولا، بل كامتداد لتحولات بنيوية معقدة مست المجال الحضري والاجتماعي والثقافي للمدينة. وأوضح أن التوسع الحضري المتسارع الذي عرفته كلميم ساهم في إضعاف آليات الضبط الاجتماعي التقليدي التي كانت تستمد قوتها من التماسك الثقافي والتجانس الديمغرافي، مبرزا أن المدينة كانت إلى عهد قريب تعيش على إيقاع طمأنينة مجتمعية واضحة، كان من تجلياتها بساطة الحياة اليومية وشعور الناس بالأمان داخل أحيائهم.
وأضاف أن التحولات الديمغرافية الناتجة عن تزايد الهجرة الوافدة وإعادة تشكيل البنية السكانية والثقافية للمدينة، أفرزت نوعا من الاختلال القيمي والاجتماعي، بما يشبه حالة “اللامعيارية” التي تنتج عادة عن تراجع الرأسمال الاجتماعي المحلي وضعف الروابط المجتمعية الضابطة. واعتبر أن هذا الواقع ساهم في بروز سلوكات منحرفة ارتبطت بشكل مباشر بتشوهات التمدن غير المؤطر، حيث لم تواكب التحولات المجالية والاجتماعية بالسرعة والنجاعة المطلوبتين على مستوى السياسات العمومية المحلية.
ومن زاوية جغرافية وتربوية، شدد الدكتور حيروش امبارك على أن ما تعيشه كلميم اليوم يعكس أيضا قصورا في تدبير المجال الحضري وفي استباق التحولات التي يعرفها، سواء على مستوى التوسع العمراني أو على مستوى التأطير الاجتماعي والتربوي. وأبرز أن غياب رؤية ترابية استشرافية، إلى جانب تراجع أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني في التنشئة والضبط والتوجيه، ساهم في خلق بيئة سوسيو-انحرافية حاضنة لإعادة إنتاج بعض أشكال الجريمة والانفلات، معتبرا أن معالجة الظاهرة تقتضي فهما عميقا لمسبباتها البنيوية وليس فقط الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها الظاهرة في الشارع.
وفي السياق ذاته، أوضح الأستاذ البشير عيوش، المهتم بالشأن المحلي، أن ما تعيشه مدينة كلميم اليوم من تنام لبعض مظاهر السرقة والانحراف لا يمكن فصله عن غياب بنية حقيقية للاحتضان والتأطير الموجه للشباب، سواء على المستوى التكويني أو الاجتماعي أو الرياضي أو الثقافي. وأكد أن الفراغ الذي يعيشه عدد من الشباب، في ظل محدودية فضاءات الإدماج وقلة المبادرات القادرة على استيعاب طاقاتهم، يجعل بعض الفئات أكثر عرضة للانزلاق نحو سلوكات منحرفة، خاصة حين يتقاطع ذلك مع البطالة وانعدام فرص الشغل وتراجع الإحساس بالأمل في المستقبل.
وأضاف أن اتساع مشاعر الإحباط واليأس لدى بعض الفئات، إلى جانب تنامي الإحساس بوجود اختلالات مرتبطة بالفساد ونهب المال العام، كلها عوامل تغذي الإحساس بالهامشية وتضعف الثقة في جدوى الاندماج الإيجابي داخل المجتمع. كما سجل أن التساهل مع بعض الظواهر الانحرافية، من قبيل انتشار المخدرات والكحول والدعارة، يساهم بدوره في تعميق هذا الواقع، خاصة عندما يترافق مع تراجع أدوار الأسرة في التتبع والتوجيه والمواكبة، وهو ما يجعل الظاهرة مركبة وتستدعي تعبئة جماعية ومسؤولة من مختلف المتدخلين.
وفي المحصلة، يبدو أن ظاهرة السرقة و”الكريساج” بمدينة كلميم لم تعد مجرد حوادث متفرقة أو معزولة، بل أضحت مؤشرا على اختلالات أعمق تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية والمجالية. وبين الحاجة إلى تعزيز الحضور الأمني واسترجاع هيبة القانون، وبين ضرورة إعادة بناء شروط الإدماج والاحتضان والتأطير داخل المدينة، يظل الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المعالجة الشاملة، بما يعيد الطمأنينة للساكنة ويحاصر أسباب الانفلات قبل نتائجه
