Sagyanews
جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
Aid Chabab

دكتور محمد النجار الحكم الذاتي.. من مبادرة مغربية إلى قناعة أممية

في سياق التطورات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية عقب صدور القرار الأممي رقم 2797، والذي وُصف بأنه منعطف تاريخي في مسار هذا النزاع الإقليمي المزمن، أجرينا هذا الحوار مع الدكتور محمد النجار، الباحث في العلوم السياسية وتنمية المجال، والمهتم بالشؤون الصحراوية، الذي قدّم قراءة تحليلية متبصرة لمضامين القرار ودلالاته السياسية والإستراتيجية.
في هذا الحوار، يسلّط الدكتور النجار الضوء على أبعاد التحول الأممي في التعاطي مع الملف، وآفاق المرحلة المقبلة لما بعد القرار، والتحديات المطروحة أمام المغرب لترسيخ مكتسباته الدبلوماسية والتنموية، مؤكداً أن الحكم الذاتي كما اقترحته المملكة منذ سنة 2007 “أصبح اليوم الحل الواقعي والإنساني لإنهاء أطول نزاع إقليمي في إفريقيا”.

بطاقة تعريفية
د. محمد النجار باحث في العلوم السياسية وتنمية المجال مهتم بالشؤون الصحراوية

1كيف تقرأ القرار الأممي الأخير بخصوص الصحراء الغربية ؟

يعد قرار 2797 قرارا مفصليا في مسار ملف نزاع طالت عملية تسويته داخل وخارج أروقة منظمة الأمم المتحدة بنيويورك، ونقطة انطلاق مسلسل تفاوضي وإجرائي لتحديد صيغة نهائية لنظام حكم ذاتي محلي وفق مقترح مغربي مبدع

2.لماذا يوصف بالقرار التاريخي؟
هذا القرار تاريخي لأنه شكل نقلة نوعية في الموقف الأممي وترجمة لتغير مواقف غالبية الدول من الملف وثورة وعي دولي بأن الحكم الذاتي أصبح الحل الحكيم والموضوعي والنصف والمتوازن بقضية إنسانية أخلاقية اكثر منها قضية نزاع أجبرت ساكنة مجال النزاع على التعامل معه ضمن تناقضات داخلية في الموقف وفي الشعور وفي المصلحة. وفي المجمل طول أمد النزاع دون افق واضح او امكانية إجراء استفتاء جعل الملف خارج دائرة الاهتمام الدولي والشعبي.

3. ما أهم ما يميزه عن قرارات سابقة؟
يتسم القرار الجديد بأنه اكثر وضوحا صياغة وموقفا رغم حيثياته والديباجة المطولة للتقرير الأممي بشأن الملف، وجاء لسد باب العودة للعنف والعنف المضاد الذي سجله التقرير الأخير

5. كيف ترون تفاعل المنتظم الدولي بعد القرار؟
تفاعل جد إيجابي لان الملف لاعقد وأطول نزاع إقليمي يعرف الكل سياق نشوئه وتحوله من ملف بمطالب اجتماعية افتقد نخبة السلطة في المغرب وقتئذ بعد الرؤية وشاب عقلها “حكرة” لشباب المرحلة لينتقل الى ملف سياسي مؤدلج. هذا طبعا علاوة على كلفته وتأثيره على المنطقة المغاربية وعلى شراكتها مع دول الشمال،

6. ما الذي تغيّر في مواقف بعض الدول؟
عدة عناصر غيرت مواقف الدول، أولها ميزان القوى العالمية وما يتبعها من مصالح مشتركة تطورت اكثر مع المغرب، وثانيها تغير عقلية النخب الحاكمة في عدد من البلدان خاصة افريقيا وأمريكا اللاتنية وثالثها تصاعد توق الشعوب للسلام والتسامح وتنامي النزعة الانسانية التي تتجاوز منطق الحدود الجامدة الشائكة. وكل هذه العناصر التقطها المغرب بعبقرية وشخصية العاهل المغربي محمد السادس لإنتاج مغرب داخلي موحد اكثر تقدما ومغرب دولي اكثر هجومية وجرأة وانفتاحا على استثمارات تتجاوز المدى القاري

7. كيف سيتعامل المغرب مع مرحلة ما بعد القرار؟

قبل الخوض في مرحلة ما بعد قرار مجلس الأمن عدد 2797, لا بد من تقييم وتمحيص تجربة وحصيلة الجهوية في المنطقة المعنية بالحكم الذاتي، لأجل بلورة مواطن القوة وتصحيح الاختلالات المسجلة، والتأسيس لخطاب سياسي جديد في التعامل مع الملف ومع أطرافه الأساسية قوامه ردم الهوة ودفن الاحقاد والترفع عن تبادل الاتهامات والتلاسن والتضليل.
وبالنسبة لمرحلة ما بعد القرار اصبح لزاما على المغرب القيام في مرحلة أولى وتمهيدية بما يلي:

* بناء الثقة بين الدولة والكفاءات والفعاليات الصحراوية الجادة وذات الكفاءة والتأهيل،
* إعادة هيكلة المجلس الاستشاري الملكي للشؤون الصحراوية وملاءمة مهامه مع الدور المستجد بعد صدور قرار 2797، ليكون مجلسا فعليا فاعلا.

* تعميق النقاش حول مقاربات وآليات وموارد تنزيل مقترح الحكم الذاتي بإشراك المغاربة الصحراويين المتشبتين بمقترح تقرير المصير ،
* إقرار آليات وضوابط المصالحة وجبر الضرر وفتح حوارات مع كل الأطراف الصحراوية داخل وخارج مجال التنزيل ،
* إقرار برامج تأهيل وتطوير قدرات الفاعلين والأطر المنتظر اضطلاعها بدور تنفيذ مضامين مقترح الحكم الذاتي المعدلة والمتفق عليها تبعا للمشاورات المقبلة مع الأطراف المعنية،
* التوافق على منهجية تفاوضية وتدبيرية لمرحلة اعتماد المقترح كمنطلق وارضية للتفاوض والتسوية، .وهذه فقط جملة من التدابير اللازمة في هذا السياق الحساس.

8. ما مصير جبهة البوليساريو بعد هذا التطور؟
تعيش جبهة البوليساريو انفصالا داخليا بفعل اتساع الهوة بين ساكنة “اللاجئين” المخيمات او “المحتجزين” لأنهم في النهاية ممنوعون من المغادرة للم الشمل مع عائلاتهم بالأقاليم الجنوب، علاوة على اعتماد هذه القيادة شبه الكلي على دعم رسمي وإدارة شؤونهم من العاصمة الجزائر رغم التشكيك.
في ظل هذا الوضع من واجب قيادة جبهة البوليساريو أولا الاستجابة لإرادة الصحراويين في العودة لوطنهم. وإنهاء مسلسل الإغراق بعرقيات دخيلة من دول الجوار، وثانيا الانخراط الإيجابي في المشاورات حول الصيغة النهائية المقترح الحكم الذاتي المنتظرة في الأحد المتوسط على تبعد تقدير في أفق الاندماج في حكم ذاتي دامج لكل القبائل والفعاليات الصحراوية والا ستظل في عزلة وخارج حسابات المرحلة القادمة مرحلة السلام والأمن والنماء.

9. كيف تفسر رفض البوليساريو والجزائر لهذا القرار؟ وما تأثير هذا الرفض على سكان مخيمات تندوف؟

الرفض المعلن من قيادة البوليساريو والجزائر ليس جديدا بل قديم جدا وترجم ردود افعال تعكس تزايد قوة التمثيلية الصحراوية من داخل مجال النزاع كبديل مقبول وتضاؤل تأثير الجزائر في المحافل الدولية والمشاكل الداخلية للطرفين، وذلك في تأويل خاص وعجيب لمبدأ تقرير المصير في إطار الشرعية الدولية في زمن تجوزت فيه كل مبادئ الشرعية وميثاق الأمم المتحدة خاصة مبدأي التدخل في الشؤون الداخلية وحق الشعوب في تقرير المصير، لصالح الواقعية وتثبيت السلام لا سيما عند انسداد آفاق التسوية وإعطاء الأولوية لإنقاذ ساكنة مخيمات تندوف ذوي الأصول الصحراوية المغربية من الوضع غير السليم والإنساني الذي تعيشه منذ عقود.

10. ما الرسائل الأساسية في الخطاب الملكي الأخير؟

لا بد من التاكيد على أن الخطابات الملكية بشأن ملف الصحراء لا تتجزأ وتتكامل وتحمل رسائل تجعل من الصعب قراءة خطاب بانفصال عن البقية، لكن أبرز الدلالات المسجلة منذ أكثر عقدين إشارة صاحب الجلالة الى كون القضية الوطنية ” مسألة وجود لا مسألة حدود” وأنه “اما ان تكون مغربيا او خائنا” وحرص الملك على تكرار بعث إشارات على اهمية السلام ووحدة واستقرار الدول المغاربية وفق منطق “اليد الممدودة” واصفا في خطاب الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء ان وضع المغرب في صحرائه “شرعي وطبيعي” ، منوها “بالتضحيات الكبرى للشعب والقوات العسكرية والأمنية خصوصا لأجل الملف، داعيا الجالية للإسهام في المبادرات وتعبئة الخبرات والاستثمارات لخدمة الوطن بعد إحداث مؤسسة جديدة تضطلع بهذا الدور. طبعا الى جانب توجيهات سديدة اخرى.

12. ما دلالات حديث الملك رغم التطورات الايجابية انه حريص على إيجاد حل الغالب فيه ولا مغلوب يحفظ ماء وجه جميع الأطراف ”؟

كما قلت سابقا فصاحب الجلالة دعى دوما للحوار وبسط يدي التشاور والتعاون والانفتاح الامر الذي اكد عليه في خطابه الاخير ذاهبا الى ابعد الحدود عند تصريحه ان المغرب منفتح على مبادرات تيسير نافذة اطلسية للجار عربون تعاون مشترك وبناء تكاملي للمنطقة المغاربية ككل،

13. كيف يمكن للقوى الحية للمجتمع دعم هذه المرحلة؟
قبل طرح إمكانيات دعم المرحلة من لدن قوى المجتمع لا بد من تقييم دورها وقياس تأثيرها بل يجب اعادة هيكلة الجسم المدني والسياسي المغربي برمته ليتلاءم عمله ودوره مع التحولات الكبرى للمجتمع والإقتصاد وتحديات الانفتاح الدولي، فالقوى الحية متأخرة جدا على حيوية المؤسسة الملكية وسرعة التحول المجتمعي، لأجل ملأ الفجوة القائمة، عندئذ يمكن الحديث عن دور فعال وقوي وذي وقع على المجتمع والمؤسسات على حد سواء بدل التعويل على كيانات هشة تزل في أول اختبار وطني بأبعاد دولية.

15. ما الذي تعكسه هذه الفرحة عن وعي الشعب بالقضية الوطنية؟
تعكس فرحة المغاربة كون الشعب المغربي شعب وطني النزعة يفخر بانتمائه وهو يعشق التسامح والسلام ويتسم بالكرم والحكمة وضحى لعقود رغم الاختلالات التي يعاني منها جراء بعض السياسات العمومية غير ذات وقع إيجابي او لم تفلح في تحقيق أثر اقتصادي و اجتماعي و ثقافي مثمر بالنسبة للمواطن انه بإختصار شعب يستحق مستقبلا اكثر إشراقا ويعم الرفاه جميع فئاته.

16. كيف يمكن استثمار هذا الزخم الوطني في التنمية بالأقاليم الجنوبية؟
17. في تقديري فعمق الحدث الراهن يجب أن يكون حافزا لتعبئة جهود كل المغاربة لا سيما رجال الأعمال للإسهام في إنجاز استثمارات كبرى ترجمة لوطنيتهم والتخلي عن الأنانية والجشع واستغلال فقط المزايا الممنوحة، ومخاطبة صاحب الجلالة للجالية في مناسبة كهذه بمثابة نداء عاجل للتوجه للإستثمار في الوطن على اساس استعداد الإدارة والقضاء لتيسير الولوج للمشاريع وتبسيط المساطر، طبعا هذا لن يتأتى دون انخراط الخبرات والكفاءات في تنزيل هذا المشروع الوطني الواعد.
وفي الأخير، أؤكد على أنه ان الأوان لكي تحدث في أقاليم الجنوب جامعة متعددة التخصصات مستقلة لتلاقح البحث العلمي والتكوبن العالي بالتنمية. كما أنه وفي غياب دور قوي للصناعة والفلاحة، أصبح لزاما إحداث منطقة للتبادل الحر لإنعاش التجارة التي كانت المورد الرئيسي للدخل لأكثر العائلات الصحراوية ومجال فرص تشغيل أكبر ودليلا على انفتاح اوسع على المعاملات الدولية، طبعا الى جانب مجالات تنمية اخرى كثيرة خاصة قطاع الخدمات….

17. هل يمكن القول إن العالم اليوم إقتنع بصدقية المغرب منذ 2007 بتقديمه مشروع الحكم الذاتي بعد القرار التاريخي؟
1
العالم لا يحتاج لاقتناع لأن الكل يعلم أن مبدأ حق الشعوب في تقرير مصير، انتهى عهده بزوال الاستعمار والجميع يعرف، بعد مجهود مغربي كبير لشرح وبسط الملف، سياق التأسيس لحركة البوليساريو في زمن الحرب الباردة، يبقى الأمر الفيصل في وعي الدول هو تقوية المصالح المشتركة مع طرف وتراجعها مع آخر ووعي شعوب العالم خاصة بعد “صدمة غزة” ان السلام مطلب إنساني عالمي وأنه كفى من حروب لا طائلة من ورائها.

18. ما الخطوات المقبلة لترسيخ الاعتراف الدولي؟
باختصار يمكن ذلك عبر مواصلة جهود التنمية بالمنطقة المعنية وتقوية وتكريس اليات ديمقراطية جهوية نموذجية بها تكون شفافة وذات مصداقية وقابلة للتعميم وكذا تعزيز روابط التعاون الدولي المغربي خاصة مع القارتين الأفريقية والأمريكية اللاتنية فضلا عن الارتقاء بدور الدبلوماسية الشعبية وغير الحكومية.

19. ما التحديات التي قد تواجه المغرب بعد هذا القرار الاممي؟

لعل أول تحدي أمام المغرب إنجاح المشاورات حول الصيغة المهائية لنظام الحكم الذاتي وثاني التحديات يتمثل في التمكن من تحقق برنامج للمصالحة يشمل عودة الصحراويين خارج نطاق جغرافيا الحكم الذاتي خاصة بمخيمات تندوف وموريتانيا وإسبانيا والعفو عن معتقلي الأحداث السابقة، فالمغرب في حاجة لكافة أبنائه الصحراويين الذين عبروا عن انخراطهم في المقترح سواء داخل وخارج أرض الوطن لا سيما المشمولين ببرنامج تحديد الهوية الأممي.

 

 

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.