ظاهرة “كورديكن”: التشبه بالنساء ومظاهر المثلية في المجتمع الصحراوي
قبل الحديث عن هذه الظاهرة، لا بد من التمييز بين نوعين من السلوكيات:الأول هو التشبه المقصود بالنساء، أي حين يتعمّد الرجل تقليد المرأة في مظهرها أو حركاتها أو لباسها، وهو ما يُعدّ إخلالًا بالفطرة التي فطر الله الناس عليها، إذ يتصنع الإنسان هوية غير هويته لأغراض دنيوية أو شهوانية.
أما النوع الثاني فهو طبيعة خَلقية لدى بعض الأفراد، يولدون بقدر من الرقة واللين تظهر في حركاتهم وكلامهم ومشاعرهم دون قصد أو اختيار، ومع ذلك يحافظون على كينونتهم الرجولية ولا يتنكرون لها.
لقد تناول المفكرون والفلاسفة قضية المثلية الجنسية منذ العصور القديمة. فقد رأى أفلاطون في المأدبة أن الحب يسمو على الجسد، وأن الجمال المطلق يمكن أن يتجلّى حتى في علاقة تجمع بين أفراد من الجنس الواحد، بوصفه حبًا روحيًا ساميًا. غير أن أرسطو خالفه الرأي، معتبرًا أن الغاية من العلاقة الجنسية هي التكاثر، وأنها وظيفة طبيعية من وظائف الإنسان، لا يمكن فصلها عن بعدها الحيوي.
حديثنا في هذا المقال لا يتعلق بالممارسة الجنسية في ذاتها، بل بما يُعرف اليوم بـ المثلية أو الميول الجنسي لدى بعض الأفراد من الذكور أو الإناث، وهي ميول يؤدي بالضرورة إلى علاقات من نوع واحد. فالإغريق لم يكونوا يرون في المثلية خطيئة، بل اعتبروها ظاهرة اجتماعية وفكرية، استمرت عبر العصور القديمة والوسطى وصولًا إلى اليوم.
أما طوماس الأكويني، أحد فلاسفة العصر الوسيط، فقد رفض التصور الأفلاطوني، مؤيدًا الرؤية الأرسطية التي تربط الجنس بالتكاثر، وعدّ المثلية رذيلة تخالف القانون الإلهي والفطرة الإنسانية، فهي تُدان أخلاقيًا ودينيًا ولا تُقبل اجتماعيًا.
ومع الانتقال إلى العصر الحديث، ولاسيما في القرن التاسع عشر، بدأت الفلسفات الحديثة تُعلي من شأن الحرية الفردية وترفض القيود الأخلاقية “القمعية” التي تحد من خيارات الإنسان. ومع الفلسفة الوجودية، صار الإنسان يُعرَّف بأنه الكائن الذي يختار وجوده ويحدده بنفسه وفق ما يراه من إمكانات واختيارات متاحة لديه.
وفي القرن العشرين، ظهر مفهوم الجندر (النوع الاجتماعي)، الذي يميز بين الجنس البيولوجي (ذكر أو أنثى) والأدوار الاجتماعية التي يحددها المجتمع لكلٍّ منهما. فالمجتمع هو الذي يضع معايير ما يُعد سلوكًا “رجوليًا” أو “أنثويًا”.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى ظاهرة التشبه بالنساء ضمن إطار الجندرية، باعتبارها تعبيرًا عن اختيار الفرد أن يعيش دورًا أنثويًا في تصرفاته أو مظهره أو مشاعره، حتى وإن كان ذكرًا من حيث الجنس البيولوجي. وهذا ما يُعرف محليًا في اللهجة الحسانية بلفظ “كورديكن”.
حيث تظهر هذه الفئة بشكل واضح في الأعراس الصحراوية، بطلب من أهل العروس أو العريس، لتقديم خدمات المدح والشكر، ومشاركة مختلف مراحل العرس الصحراوي عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل “سناب شات” و“تيك توك” وغيرها. وقد أصبح لهذه الفئة عدد كبير من المتابعين داخل الوطن وخارجه، خصوصًا في المجتمعات القريبة التي تتقاسم مع المجتمع الصحراوي نفس العادات والتقاليد، مما يجعل عملية التأثر والتأثير بين هذه المجتمعات أمرًا طبيعيًا ومتبادلاً.
غير أن مؤسسة الزواج وطقوس الاحتفال المرتبطة بها لم تكن تعرف هذه الفئة من قبل، إذ كانت الأعراس الصحراوية تُقام وفق مظاهرها التقليدية الأصيلة مثل “الكصعة، السلام، التنكية، الدفوع، العرضة، التراوح، حنة العروس، السهرة، الشعراء…” وغيرها من الطقوس التي تعكس هوية المجتمع الحساني وخصوصيته الثقافية.
لكن مع مرور الوقت، تم إضفاء وجود هذه الفئة (كوديكين) كعنصر شبه مفروض داخل العرس الصحراوي،. والمثير في الأمر هو الكيفية التي استطاعت بها هذه الفئة أن تفرض وجودها داخل أهم موروث ثقافي مادي ولا مادي، يمثل خلاصة العادات والتقاليد الحسانية.
ولا شك أننا أمام تحول جذري في منظومة القيم التي طالما اختزلها المثل الحساني في العبارة الشهيرة: “ألكان يكتل ما تلا إحشم”، في إشارة إلى انقلاب الموازين بين الحياء والجرأة، وبين الأصالة والتقليد المعاصر.
وفق المنظور السوسيولوجي، تُعدّ الظواهر الاجتماعية نتاجًا للتفاعل المستمر بين الأفراد داخل المجتمع، وهي تنقسم – بحسب تأثيرها – إلى ظواهر إيجابية وأخرى سلبية. فمن الظواهر الإيجابية التي تخدم الفرد والمجتمع نجد قيم إكرام الضيف، ومساعدة المحتاج، والتآزر الاجتماعي، لما تحمله من معاني التضامن والتكافل التي تميز البنية القيمية للمجتمع الحساني. في المقابل، هناك ظواهر اجتماعية سلبية مثل العنف ضد النساء، والبطالة، وعمالة الأطفال، والشذوذ، لما لها من آثار مدمرة على التماسك الاجتماعي والأخلاقي. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار ظاهرة “كورديكن” واحدة من هذه الظواهر السلبية المستحدثة التي لا تقدم أي نفع حقيقي للمجتمع، بل تساهم في التشهير بل والدعوة الضمنية إلى المثلية داخل أهم مؤسسة اجتماعية وهي الزواج.
فالعرس الصحراوي ظل لقرون مناسبة رمزية تعكس القيم الأصيلة للمجتمع، غير أن دخول هذه الفئة على خط الطقوس والمراسيم قد مثّل تحولًا في تمثل الأدوار الاجتماعية، خاصة حين يصبح حضورها مقبولًا أو حتى مطلوبًا من طرف بعض الأسر.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل أصبح المجتمع الصحراوي متصالحًا مع هذه الظاهرة إلى درجة أنه لم يعد يرى أي إشكال في تواجد “كورديكن” داخل مراسم الزواج، مختلطين بالنساء في فضاء واحد؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن ذلك يستدعي دراسة سوسيولوجية معمقة لفهم التحول القيمي الذي يعيشه المجتمع، ولمعرفة ما إذا كان هذا التقبل نابعًا من تغير حقيقي في المنظومة الثقافية أم من ضغط مواقع التواصل وتأثير الإعلام الاجتماعي الذي أعاد تشكيل السلوكيات والعلاقات داخل الفضاء الاجتماعي الصحراوي.
✍️: بقلم ذ،لسياد السليف

