تدخل نائبة برلمانية بمجلس النواب يفتح نقاشا حول حدود الخطاب السياسي
الخطاب السياسي الصادر عن نائبة برلمانية عن حزب الاتحاد الاشتراكي بجهة كليميم وادنون (إقليم سيدي إيفني) موجة متزايدة من الاستغراب والاستنكار خلال جلسة بمجلس النواب ، ليس فقط بسبب مضمونه، بل أيضا بسبب اللغة المستعملة فيه، والتي انزلقت، في أكثر من مناسبة، نحو توصيفات جارحة مست فئات اجتماعية بسيطة، من بينها فئة الرحل، عبر نعتهم بأوصاف ثقيلة من قبيل “المافيا” و“العصابات”أمام الملأ وهي لغة لا تليق بمقام التمثيل النيابي، ولا تنسجم مع القيم الدستورية التي تؤطر العمل السياسي، ولا مع أخلاقيات الخطاب العمومي المسؤول.
فالبرلمان، باعتباره مؤسسة دستورية، ليس فضاء للمزايدة اللفظية ولا منصة لتصفية الحسابات الرمزية، بل منبر للدفاع عن قضايا المواطنين، على اختلاف أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية. وعندما يصدر خطاب إقصائي عن نائب يفترض فيه تمثيل الجميع، فإن الأمر لا يمكن اعتباره مجرد “زلة لسان”، بل يعكس اختلالا أعمق في تصور الوظيفة التمثيلية، وانزلاقا نحو خطاب شعبوي يقوم على التعميم والشيطنة بدل التحليل والمعالجة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن هذا النوع من الخطاب لا يخلو من حسابات سياسية ضيقة، حيث يتم استثمار الغضب الاجتماعي والاحتقان القائم لتحويل فئات بعينها إلى “كبش فداء”، في محاولة لركوب موجة التعاطف واستقطاب الرأي العام، دون تقديم بدائل عملية أو حلول واقعية للإشكالات المطروحة، سواء تعلق الأمر بتنظيم المجال، أو تدبير الموارد، أو تحقيق التعايش الاجتماعي.
إن توصيف فئات اجتماعية كاملة بنعوت إجرامية لا يساهم في حل الإشكالات المرتبطة بها، بل يكرس الإقصاء ويغذي الإحساس بالظلم، كما يفتح الباب أمام خطاب الكراهية والتوتر الاجتماعي، وهو ما يتنافى مع دور المنتخب، الذي يفترض فيه لعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، لا دور المحرض أو القاضي.
ويزداد هذا السلوك السياسي إثارة للتساؤل حين يوضع في سياقه الزمني، حيث يعتبره كثيرون حملة انتخابية سابقة لأوانها، تُستعمل فيها اللغة الحادة كوسيلة للتموقع السياسي، وصناعة “العدو” بدل الانكباب على العمل البرلماني الجاد، القائم على التشريع، والمراقبة، واقتراح السياسات العمومية الكفيلة بمعالجة جذور الإشكالات، لا أعراضها فقط.
إن إقليم سيدي إفني، بما يزخر به من تنوع اجتماعي وثقافي، وبما يواجهه من تحديات تنموية حقيقية، في حاجة ماسة إلى خطاب سياسي ناضج، يراهن على الحكمة والتبصر، ويؤمن بأن التنمية لا تبنى بالإقصاء ولا بالتخوين، بل بالحوار، والاعتراف المتبادل، وصياغة حلول تشاركية تراعي كرامة الإنسان، أيا كان موقعه الاجتماعي.
وفي ظل هذا السياق، يبقى الرهان معقودا على إعادة الاعتبار لأخلاقيات الخطاب السياسي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول قبة البرلمان من فضاء للدفاع عن المواطنين إلى منصة للشعبوية والاصطفاف، لأن الانحدار في اللغة غالبا ما يكون مقدمة لانحدار في الممارسة، وهو ما لا يخدم لا المنطقة ولا الثقة في العمل السياسي ككل.

