Sagyanews
جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
اطلس

الشاي الصحراوي.. طقس يومي يختصر روح الجماعة ويحفظ دفء المجالس.

        الساقية   نيوز                                   علي الكوري 

يجسد الشاي في المجتمع الحساني أكثر من مجرد مشروب يومي، إذ يختزن في تفاصيله معاني الألفة والكرم وعمق الارتباط بالمجلس الصحراوي. فكلما اجتمعت الجماعة، وأوقد الجمر، وامتد الحديث على سجيته، تحولت جلسة “أتاي” إلى طقس اجتماعي متكامل يعكس خصوصية العيش الصحراوي ويعيد إنتاج قيمه في كل مناسبة، حتى إن الشعر الحساني اختزل هذه المكانة مبكرا حين قال الشاعر:

فالدنيه كاع شمديور.. عاگب أتاي والبخور
والتبسيمه ألا الحرور.. من ذ…”

وهو توصيف يربط بين الشاي ودفء الجلسة وصفاء الصحبة، باعتبارهما من أجمل ما تمنحه الحياة للناس.
يرتبط إعداد الشاي لدى أهل الصحراء بطقوس دقيقة لا تقبل الاستعجال، لأن الأمر لا يتعلق فقط بتحضير شراب ساخن، بل بإعلان ضمني عن بداية جلسة مفتوحة على الحديث والتواصل وتبادل الأخبار. ولهذا، لا يكتمل معنى الشاي إذا حضر بعيدا عن الجماعة، لأن حضوره الحقيقي يبدأ حين يلتف حوله الناس وتنبعث من خلاله حرارة اللقاء.

 

تمنح “الجماعة” هذا الطقس بعده الإنساني الأصيل، فهي الركن الأول الذي يضفي على الشاي قيمته الرمزية والاجتماعية. ففي المجالس الصحراوية، لا يقدم “أتاي” باعتباره عادة استهلاكية، بل كوسيلة لتقوية الروابط بين الأفراد وفتح المجال أمام الحكايات والأخبار والنقاشات التي تمتد أحيانا من تفاصيل اليومي البسيط إلى قضايا الشأن العام، ما يجعل من جلسة الشاي فضاء حيا لتجديد العلاقات وصناعة الألفة.

يفرض “الجمر” حضوره باعتباره عنصرا أساسيا في فلسفة الشاي الصحراوي، إذ لا تكتمل نكهة “أتاي” إلا عبر بطء الإعداد وهدوء الانتظار. فاشتغال الفحم على مهل، وغليان الماء تدريجيا، ثم إعادة سكب الشاي مرات متتالية حتى تتشكل “الكشكوشة”، كلها مراحل لا تنفصل عن ثقافة الصبر والتأني التي تميز هذا الطقس المتوارث، وتمنح للشاي نكهته الخاصة ومهابته داخل المجلس.

يمنح هذا الانتظار للمجلس بعدا خاصا، فلا ينظر إلى لحظات ترقب نضج الشاي باعتبارها زمنا ضائعا، بل باعتبارها فسحة للتأمل والاسترسال في الحديث وتهيئة الجو العام للجلسة. وفي هذه الأثناء، تترسخ معاني الألفة، ويصبح الإبريق فوق الجمر جزءا من مشهد يومي مألوف، لكنه غني بالدلالات الإنسانية والاجتماعية، ويعكس في عمقه علاقة أهل الصحراء بالزمن الهادئ غير المستعجل.

يصنع “الجر” بدوره روح المجلس، لأن الحديث في جلسة الشاي لا يخضع لمنطق الاختصار، بل يتسع للتفاصيل والاستطراد واستحضار الأمثال والنوادر والحكايات. ومن هنا، يتحول “الجر” إلى فن اجتماعي قائم بذاته، تقاس من خلاله فصاحة المتحدث وسرعة بديهته وقدرته على شد انتباه الحاضرين وإضفاء الحيوية على المجلس، وهو ما جسدته إحدى أشهر الكيفان الحسانية بقولها:

“أتاي الّي عاد ابجمرُو .. وعاد الّي معاه الجرّ
وعادت الّي معاه اصحاب .. ذاك هو أتاي الّي غرّ”

وهو كيف يربط بوضوح بين جودة الشاي واكتمال عناصر الجلسة من جمر وحديث وصحبة.
ويحضر الشاي أيضا باعتباره أحد أبرز عناوين الكرم في المجتمع الحساني، حيث يقدم للضيف تعبيرا عن حسن الاستقبال وعلو مكانة الضيافة في الثقافة الصحراوية. كما يحظى بمكانة متميزة باعتباره من الموروثات الاجتماعية الراسخة، ويقدم تقليديا في ثلاثة كؤوس، فيما تضاف أحيانا في بعض مناطق جهة الداخلة وادي الذهب كأس رابعة تكريما للأولياء الصالحين، في دلالة رمزية على امتداد هذا الطقس داخل الذاكرة المحلية.

يواصل الشاي الصحراوي حضوره اليومي باعتباره أحد أبرز ملامح الهوية الثقافية في الصحراء، كما يزداد حضوره رمزية في المناسبات الدينية والاجتماعية، خاصة خلال ليالي رمضان، حين يعود بعد الإفطار وصلاة التراويح ليكون مسك ختام السهرة. وهكذا، لا يبقى “أتاي” مجرد عادة متوارثة، بل يستمر كفضاء حي لحفظ الذاكرة الجماعية وصون روح المجالس في زمن تتسارع فيه الحياة

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.