بين رصد الهواتف وعجز محاربة الفساد.. أي أولويات لمنظومة التربية؟
علي الكوري
رصدت عدسات الصحافة مشهدا أثار الكثير من التساؤلات والاستغراب، حيث ظهر وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة وهو يستعرض أجهزة متطورة لرصد الهواتف المحمولة داخل قاعات الامتحانات، في خطوة تروم محاربة الغش. غير أن هذا المشهد أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول أولويات المراقبة، بين التشدد في تعقب هاتف داخل قسم دراسي، والعجز عن طمأنة الرأي العام بشأن ملفات أكبر ترتبط بحماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لا أحد يجادل في ضرورة التصدي للغش، فهو سلوك يضرب مصداقية الشهادات ويؤثر على مبدأ الاستحقاق. لكن ما يثير الاستغراب هو حجم الإمكانيات المسخرة لتعقب هاتف محمول داخل قاعة امتحان، مقابل شعور عام بضعف الحزم نفسه في مواجهة ملفات الفساد وتضارب المصالح وتبديد الأموال العمومية.
الأكثر إثارة للانتباه أن بعض التلاميذ الذين يجلسون لاجتياز امتحاناتهم تحت مراقبة أجهزة إلكترونية حديثة، ما زالوا يستعملون طاولات ومقاعد متهالكة تعود إلى عقود مضت، في مشهد يعكس مفارقة صارخة بين مظاهر التحديث التكنولوجي وواقع البنية التحتية داخل عدد من المؤسسات التعليمية. فكيف يمكن الحديث عن مدرسة المستقبل في فضاءات لا تزال تعاني من أبسط شروط التجهيز والراحة؟

كما أن الإجراءات المصاحبة لهذه الأجهزة تطرح بدورها علامات استفهام. فعملية دخول المترشحين إلى بعض المراكز أصبحت تشبه إلى حد كبير إجراءات التفتيش الأمنية المشددة، حيث يخضع التلاميذ لعمليات مراقبة دقيقة والبحث عن الهواتف والأجهزة الإلكترونية، وكأنهم أمام نقاط تفتيش للكشف عن مواد خطيرة، لا أمام مؤسسة تربوية يفترض أن تسودها الثقة والتأطير التربوي.
وفي المقابل، يتساءل كثير من المواطنين: إذا كانت الدولة قادرة على اقتناء أجهزة ترصد إشارات هاتف صغير داخل القسم، فلماذا لا نرى الحزم نفسه والتكنولوجيا نفسها في تتبع مسارات المال العام وكشف شبكات الفساد والاغتناء غير المشروع؟ ولماذا لا يتم الإعلان بنفس الزخم عن آليات رقمية متطورة لرصد تضارب المصالح والتلاعب بالصفقات العمومية؟
إن نجاح أي إصلاح تعليمي لا يقاس فقط بعدد الأجهزة المستعملة لمحاربة الغش، بل أيضا بقدرته على توفير بيئة تعليمية لائقة، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد، وترسيخ الثقة في المؤسسات. فالتلميذ الذي يرى دولته قادرة على تعقب هاتفه في ثوانٍ، يتساءل بدوره عن قدرة هذه الدولة على تعقب من يبددون الملايير أو يستغلون النفوذ لتحقيق مصالح خاصة.
إن محاربة الغش هدف مشروع، لكن محاربة الفساد تبقى رهانا أكبر وأعمق أثرا. فالأول قد يضر بمستقبل تلميذ، أما الثاني فيهدد مستقبل أمة بأكملها. وبين هاتف داخل قاعة امتحان وملفات ثقيلة تتعلق بالمال العام، يبقى السؤال قائما: أين يجب أن تتجه عدسة المراقبة أولا؟

